fbpx
الأحد , 24 يناير 2021

بداوة التفكير والتدبير (الحلقة 1)

بشير العبيدي

#معركة_الوعي

إن الذين أتحدّث عنهم في هذه المقالة وما يليها ليست الشعوب الناطقة بالعربية في مجملها وإطلاقها ولا في شخوصها وأفرادها. لقد أثبتت هذه الشعوب -عموما- قدرة عظيمة على العطاء والتضحية والفداء في جميع العصور، وضحّت من أجل طرد الاستعمار بالشهداء والجرحى، وضحّت تحت نير الاستبداد وتحمّلت الأهوال، وهي اليوم تضحي مجددا بعد سرقة ثورات ربيعها الحالم، وخذلتها النّخب. وهي اليوم تواصل دفع ثمن موجع في شكل حروب أهلية وتشريد وقتل وسفك للدماء واحتلال أجنبي وبيع الذمم للأعداء، بسبب أخطاء قاتلة ارتكبتها النّخب الحاكمة والمثقفة والمتعلمة، من جميع التيارات والمدارس.

هنالك نخب كثيرة سارت مسارًا خاطئًا تسبب في حصول خلل هيكلي في الثقافة السائدة. هذه النخب التي ارتكب أخطاء قاتلة هي التي أعنيها بهذا التحليل، وليس غيرها. إذ من المعلوم أنه لا يمكن أن يحكَم شعب من الشعوب إلا من خلال نخبه، وهي تلك النخب المبثوثة في مفاصل الإدارة والإعلام والتعليم والجامعات والثقافة والفن وكلّ ما ينتجه شعب من الشعوب من ذكاء.

تقديري الخاص هو أن هذه النخب هي التي فشلت في امتحان الحداثة. وسأشرح الأسباب -كما تبدو لي- في ما يلي ذكره، وبالله التوفيق.

•••

التفكير العربيّ المعاصر الذي أنتجته نخبنا منذ قرن تفكير نكص على عقبيه بعد فترة ازدهار كبير، فعاد إلى جذوره البدائية البدوية التي تجاوزها الإسلام منذ قرون طويلة.

أحمل بين جوانحي تفكيرا إنسانيا، لا تفكيرا قوميا. لكن هذا لا يمنعني أن أقول رحيق خلاصتي في قومي الذين أنا منهم وأكتب بلسانهم.

قلة قليلة من يهتم بالتفكير في عصرنا عند العرب لأن ملكتهم فسدت. فالتفكير بطبعه تجريديّ، وهذا ليس من أولويات البداوة التي هي قائمة -كما يدلّ عليه اسمها- على فكرة البداء أو البداية ما يبدو أي ما يظهر، أي ما تلامسه الحواس بشكل مباشر. ومن كان هذا نمط تعاطيه مع الوجود، لا يقبل التفكير ويعيبه ويراه فلسفة لا قيمة لها، إن لم يكفّر صاحبها. ولا علاقة لهذا التعريف بسكان الأرياف أو المشتغلين في الحقول، فأنا ولدت وترعرعت في تلك البيئة، ولا علاقة لها بالبداوة التي أقصد، لا من قريب ولا من بعيد.

أهمّني أمر قومي ليلا ونهارا، لأنني، بكل بساطة، أريد لهم الخير، حتى وإن روأ الخير شرّا كما يرى المريض الدواء إذاية. لكن خلاصتي اليوم هي أن تفكير العرب في مجتمعاتنا مصبوغ بصبغة بدويّة مقيتة، لكنها بداوة دون ما كان من فضل البداوة الأصلية من جهة أن البدو الأصليين كانوا يتوافقون على قوانين للفوضى التي تحصل بينهم، فيستقبحون -على سبيل المثال لا الحصر- الكذب والبهتان وقلة المروءة ومعايب الشهامة والنخوة.

أما اليوم، فإنني أرى أن فوضى البداوة العربية لا قوانين تحكمها ولا أخلاق، وعليك أن تتوقع إن كنت عربي الهوى -في أيّ لحظة كانت- أن يعاملك مثقف عربي جامعي معاملة التقديس وتقبيل الأيدي، أو معاملة الإذلال والحطّ والتخوين والتهوين والاحتقار، وبين الاثنين لا يوجد فاصل زمني ولا تهيئة تمريرية ولا حلول وسط. البداوة ثنائية الهوى. لا تعرف من الألوان غير الأبيض أو الأسود فحسب. لأن ذلك هو السلوك الوحيد الذي يفثأ ضمأ ذاك المثقف البدوي إلى الانتقام، لأنه لم يتشرّب ثقافة الحوار وثقافة التنازل وثقافة الاقتراب من الحلول الوسطى، هذه الثقافة المتحضرة توجد في الحضارات المتحكمة اليوم. لهذا تدوم خلافات العرب أكثر من دوام حرب داحس والغبراء، بينما تحلّ خلافات “الكفار” في ثلاث جلسات، آخرها جلسة خمرية للاحتفاء بإيجاد الحل. انظروا فرنسا وألمانيا تصالحتا بعد سنوات قليلة وأنشأتا اتحادا. انظروا إلى البريكست مثلا، طال الأمر أشهرا فقط. أنظروا خلافات كاتالونيا. لقد وجدوا -“أعداء الله”- مجالا للحلول. وانظروا الخلاف الفرنسي الإيطالي، انتهى بعد أيام. لكن -يا لسوء الطالع- خلافات بدو العرب تدوم قرونا. لأن التفكير الذي يفرّخ مثل هذا السلوك هو تفكير بدويّ أعرابيّ من نمط الذي وصفه القرآن الكريم بقوله “الأعراب أشد كفرا ونفاقا”. وهم كذلك. وتقوم المدارس والجامعات بإعادة إنتاج هذا التفكير البدوي المتخلّف، مرة بلون قومجي، مرّة بلون علمانجي، مرّة بلون متأسلم، وهكذا نغيّر الأصباغ ولا نغير الألباب، فينتج عندنا سلوك متقارب، لا يتغير فيه إلا الشكل ونمط الخطاب.

على أنّنا نجد -في الجملة- أصحاب التفكير البدوي يوالون الأغراب ويتعصّبون لهم، لكنني عشت في أوروبا ثلاثين سنة، فما عثرت بعد على مثقف أوروبي واحد يتعصّب لغير قومه، ولو كان بينه وبينهم حربين عالميتين. إنها مسألة تفكير. ونمط تفكير. وليست أمرا عاطفيا أو أثرا من مشاعر وأحاسيس.

اليوم، يتصرف المثقف العربي تصرفا بدويّا صرفا، حتى وهو يلبس تنّورة قصيرة وربطة عنق في أحدث الجامعات العربية، حتى وهو غارق في الأوهام التاريخية إلى صدغيه، حتى وهو يترشّف كأس ويسكي في أعلى طابق عند أعلى برج بنته العرب في مدن الملح التي بنتها، حتى وهو يدرّس في أنجح الجامعات الغربية. لكنه حين يتعامل مع أشباهه يعود على بداوته بسبب تشوّه ثقافي في التفكير، أو في المعلومة الأولى، على قول فلاسفة الإغريق.

ومن المضحكات المبكيات أقصّ ما حدث لي قبل أشهر: لقد تواصلتُ مع بعض المثقفين في الجامعات التونسية، مقترحا أن أنجز معهم بحوثا. فردّ بعضهم من “كبار القوم” بالقول، للشخص الذي توسّط في هذا الالتماس: لا نريد هذا الشخص (يقصد شخصي)، لأننا نشمّ عليه رائحة الإسلام. ولكم أن تتخيّلوا، مثقّفين عرب، يؤطرون شباب تونس في الجامعات، وأخبارهم تتلاقفها الشبكات، يرفضون أن أنجز بحثا معهم، لا لأن البحث لا يعنيهم، كلا. بل لأن “رائحة” هذا الباحث تفوح بـ “الإسلام” من كتاباتي، في بلد الزيتونة. والأغرب من هذا كله، أن بدوا آخرين، يشمون من كتاباتي رائحة العلمانية. وغريب أمر البدو المثقفين أو مثقفي البداوة، يشمّون روائح الأماني، على رنّات المثالث والمثاني. فقمت بالتواصل مع باحثين أوروبيين، فما مضت أيام حتى قبل ثلاثة منهم مبدأ التعاون.

لهذا، البداوة من زاوية نظري ليست شكلا في اللباس أو طريقة في العيش أو المعاش أو السير خلف القطعان والمواشي. البداوة هي نمط معاق في التفكير وطريقة كأداء في التدبير. البداوة سلوك جذوره مستقاة من تفكير الأعراب العاطفيين الانفعاليين الرافضين لكل خضوع لمنطق العقل والمدينة والمدنية، والمصرين باستمرار على التحالف مع أعدائهم من كل أفق، فقط لإذلال الأشقاء والاقرباء. ولننظر إلى ما يحصل في ليبيا من أمثلة صارخة.

لم يشتغل كثير من المثقفين حول هذا المحور، اشتغل مثقفونا العرب على الحداثة أو الأصالة. وصدّعوا رؤوسنا بشعارات الحداثة أو شعارات الحنين إلى أصالة الماضي المجيد، ولكن الذي حصل أن هؤلاء وأولئك -على السواء- يشتركون في تفكيرهم في أمر واحد: هو استعداء القريب واستقراب البعيد. لأن التفكير البدوي صعب مع الضعيف وضعيف مع الصعب. هذا التفكير البدوي منع العرب من التقدم في زماننا، كما منعت العصبية استمرار الدفق الحضاري مثلما شرح العلامة ابن خلدون في كتبه. والدليل على ذلك في زماننا أن كلّ ما يمليه العقل ويوجبه المنطق مما ينبغي أن يكون، نرى عكسه هو الذي يقع في واقع العرب اليوم، كأنه كتب علينا الشقاء إلى الأبد.

وهذا هو الشيء الذي ساعد الاستبداد العربي المعاصر على التمكّن، ويسّر للعدوّ سبل على التحكم وجعل الأجيال العربية المتوالدة تلعن بعضها بعضا، وجعل العرب لا يحتملون بعضهم البعض، ويحنّون إلى غيرهم أكثر من حنينهم إلى أشباههم.

وذلك أن الشبيه يذكر بصور مرتسمة في الأذهان عن النفس، وهي صورة مشوّهة، فتنكر الفطرة السليمة الصورة المشوّهة رغبة في تحقّق صورة مثلى، وحين يكون الإنسان في قرارة وجدانه يرفض نفسه، ينعكس ذلك في السلوك فنراه رفض لسانه الذي يتكلم به، ويرفض قيمه التي تشكل منظاره للوجود، ويرفض كلّ شيء جميل فيه ويراه قبحا، مع إصرار الإنكار ورفض الاعتراف بذلك، والتوسّل بأسباب واهية أخرى، تبرّر له النكران، وتزّين له الهروب إلى الأمام.

ومن دون التخلي عن نمط التفكير البدوي هذا، لا أفق للحل، برأيي.

هذه الحلقة الأولى، وفي الثانية أتناول -من زاوية نظري- سبب قبول العرب لرسالة الإسلام ثم نكوصها من بعد ذلك وسبب حب الأعاجم للإسلام.

من كتاب/ معركة الوعي، قيد التأليف.
✍🏽 #بشير_العبيدي | جمادى الأولى 1441 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تصْنَعُ أمَلًا

شاهد أيضاً

وداعاً … بنت عمي! محرزية العبيدي

بشير العبيدي  #رقصةاليراع #محرزيةالعبيدي سيدة عظيمة من سيدات تونس والوطن العربي، غادرت عالمنا هذا اليوم، …

أريج السعتر… على طريق المدرسة

بشير العبيدي  #رقصة_اليراع أشقُّ البرارَ والبحارَ مهاجراً، ثمّ أعودُ لمرفع رأسي – بين الفترة والفترة. …

اترك رد