fbpx
الإثنين , 18 يناير 2021

مقتل قاسم سليماني.. قراءة

نور الدين الغيلوفي

أمريكا مجرمة ولا شكّ في إجرامها..
أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا كما قال محمود درويش…
ولكنّ إيران ليست بريئة من الإجرام…

لقد طُويت صفحة إيران الأولى لمّا كانت مهادا لثورة إسلاميّة جمعت النقائض للتعاطف معها عند قيامها.. تعاطف الإسلاميّون مع الثورة الإيرانيّة.. وناصرها الزعيم الليبيّ العقيد معمّر القذّافي.. وساندها نظام الرئيس السوري حافظ الأسد البعثي العربيّ الاشتراكيّ في حربها ضدّ نظام الرئيس العراقيّ صدّام حسين البعثي العربيّ الاشتراكيّ…

وقتها كنّا مستبشرين بثورة المستضعَفين ضدّ الاستكبار العالميّ.. نقرأ نشرياتها “العربيّة” المهرَّبة في السرّ.. عندها كانت إيران مهاد ثورة المستضعَفين وكانت أمريكا هي “الشيطان الأكبر”.. زعيمة الاستكبار العالميّ…

اليوم استردّت إيران روحها الفارسيّة المسكونة بالثأر من العرب الذين فتحوها وأسقطوا امبراطوريتها وحوّلوها من دولة عظمى إلى إقليم تابع لدولة الإسلام الصاعدة.. اليوم تشهد إيران تحوّلات كبرى على صُعُد مختلفة.. استرجعت روحها الفارسيّة ضدّ عرب همَجٍ أهانوا غطرستها من زمان قديم وأظهرت وجهتها الطائفيّة التي ظلّت تخفيها تحت عنوان “الثورة الإسلاميّة”، فجعلت لها “نبيّا” خاصّا بها اسمه الحسين ودينا خاصا بها هو التشيّع لآل البيت.. وتمايز التشيّع الفارسي عن التشيّع العربيّ.. فكان تشيّعا وظيفيّا لدى الدولة الفارسية التي بدأت تستعيد عظمتها في محيط عربيّ عدائيّ ممزَّق تحكمه دمى تابعة لا همّ لها غير استمرار العروش لملء الكروش… ولم تعد أمريكا هي الشيطان الأكبر بل صارت عدوّا منافسا… تراها تأتي إلى حدودها فتغضّ الطرْف عنها لأنّها إنّما جاءت لإسقاط حاكم عربيّ قويّ اسمه صدّام حسين حاربها طيلة ثماني سنوات وخرجت من حربه منهَكة بثأر مضاعَف ضدّ العرب الهمج… وبمجرّد سقوط نظام صدّام حسين دخلت إيران العراق بمليشياتها وثاراتها على مرأى ومسمع من الغزاة الأمريكان.. وثبّتت لها وجودا استراتيجيا في العراق صارت بمقتضاه هي الآمر الناهي.. وبقي الأمريكان في المنطقة الخضراء يرتّبون بدورهم أمورهم القديمة الجديدة…

وكان قاسم سليماني رأس حربة النظام الإيرانيّ يصول ويجول، انطلاقا من قاعدته في العراق، بين إيران وسوريا ولبنان واليمن والبحرين وأفغانستان تحت نظر أمريكا التي ترصد مخابراتها دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء.. ظلّ سليماني يصول ولا رادّ لصولاته حتّى صنع له ولدولته نسيجا واسعا وجعل من الدول العربية مناطق نفوذ لدولته.. العراق قاعدته وفي لبنان حرابُهُ وأرجله بين اليمن والبحرين وسوريا وأفغانستان…

لم تكن أمريكا غافلة عن تحرّكات سليماني.. بل كان بين الطرفين توافق ضمنيّ على تغافل متبادَل.. كلّ طرف منهما يقدّم في تحرّكاته خدمات إلى الطرف الآخر.. وكانت أمريكا تزداد تحكّما في المنطقة بينما كانت إيران تزداد تعاظما حتّى صارت بفضل نزفها للعراق قوّة إقليمية عظمى وصار العراق الذي كان عدوّها الأقوى مجرّد تابع ذليل لا يُنشر فيه حبل غسيل إلّا تحت عين من طهران…

فما الذي جدّ حتّى قتلت أمريكا حليفها اللدود قاسم سليماني؟
لا جديد في نظري غير هذا الحراك الشعبيّ السلميّ الذي تشهده العراق في مختلف محافظاتها.. وتكمن خطورة هذا الحراك في كونه عابرا للطوائف خارجا عن الإرادتين الأمريكيّة والإيرانيّة.. الدولتان العظميان المتحكّمتان في العراق صارتا في خطر وجوديّ فعليّ أمام شباب عراقيّ قرّر صناعة هوية له من إرادته “الشعب يريد” تقطع مع هويّات قاتلة تحالفت بينها بوعي وبغير وعي لتجعل من العراق دولة فاشلة يعشّش فيها فساد يصبّ ريعه في رصيد إحدى الدولتين.. وإذن لا بدّ من حدث جلل يعيد خلط الأوراق ويدفن الحراك العراقيّ نهائيّا كأن لم يكن.. ويذهب الخطر المحدق…
وحتّى في صورة الصدام بين إيران وأمريكا في معارك الثأر المحتملة ستكون أرض العرب هي الساحة وسيموت من العراقيين ما يشفي غليل أمريكا وإيران معًا.

شاهد أيضاً

رسالة إلى ائتلاف الكرامة.. في الصفح السياسيّ

نور الدين الغيلوفي  مقدّمة: مهما فعل الغنّوشي فلن يرضى عنه من الفرقاء أحد.. يوما بعد …

14 جانفي 2021 إنّ في البلاد ثورة ولكنّهم لا يبصرون…

نور الدين الغيلوفي  الحرية شرط الكرامة ولا يضيق بها إلّا بليد… صورة عن ماضيهم الفاسد: …

اترك رد