fbpx
الإثنين , 18 يناير 2021

هكذا بدا لي قاسم سليماني…

زهير إسماعيل

اغتيال قاسم سليماني حدث غير عادي بالنسبة إلى إيران والولايات المتّحدة الأمريكيّة. وسيكون له آثاره البالغة على المجال العربي باعتباره مجالا للّقاء/التحالف والصراع بين هذين القوّتين وغيرهما من القوى الأخرى كالروس والأتراك والفرنسيس والطليان والأنقليز، بحسب علاقة هذه القوى بمجالنا الذي مُنع وامتنع عن الانبناء قوّةً سياسيّة واقتصاديّة ولسانيّة لها كلمتها ودورها في لعبة الأمم.

واللقاء/التحالف والصراع لا يكونان إلاّ بين القوى التي تملك استراتيجيا والاستراتيجيا توأم السيادة. فمصر قوّة إقليميّة كبرى ولكنّها منزوعة السيادة ومن ثمّ لا استراتيجيّة لها. ولقد اتجهت مع ثورة 25 يناير إلى أن تكون شيئا يذكر ومنطلقا لبناء عربي جديد، فرُدّت بواسطة الانقلاب إلى هامشيّتها في استراتيجيات الهيمنة التقليديّة بواسطة الانقلاب وبمباركة قوى سياسيّة مصرية وعربيّة لم تقبل بالاختيار الشعبي الحر، ولم ترَ مصلحةً لها في اجتماع المجال العربي رغم دعاوَى الوحدة التي تمثّل عند بعضها مرجعيّة سياسيّة.

قاسم سليماني

في موضوع سليماني، لن نركّز على علاقة إيران بالمجال العربي، وموقفها من نظام الاستبداد العربي ووجهه الآخر الموقف من الثورة، ولقائها مع الأمريكان في وأد الثورة في سورية وقتل شعبها وتشريده، وما توقعناه من صدام بين المنتصرين على الشعب السوري..
سننظر إلى قاسم سليماني، من وجهة نظر أخرى مغايرة تماما، فحضور الرجل، من خلال ما كان له من أدوار في العشريّة الأخيرة، لم يُحِلْني إلى صورة قائد عسكري تقليدي، أو جنرال من جنرالات الدولة.
تلقّيت صورة قاسم سليمان من زاوية التراث الحركي الإسلاميّ وبروفيل الناشط الميداني والمناضل الثوري الذي يبني صورته تدريجيّا خارج مسارات البناء التقليدي للشخصيات والقيادات المرتبطة بالدولة، ومنفتحا على أساليب التعبئة الأهليّة غير المحدودة.

عشنا هذا في بدايات الحركة الاسلاميّة، وبرزت قيادات ميدانيّة وحركيّة وفكريّة فذّة رغم محدوديّة الوسائل، وبدأت في نحت نماذج كفاحيّة وفكريّة على غير منوال، ولكن أسبابا عدّة منها الذاتي والموضوعي (الصدام المبكّر مع الدولة والقمع النسقي المستدام) حالت دون النموّ الطبيعي لهذه النماذج. ولو توفّر لها ما توفّر لسليماني لكنّا أمام تراث آخر وتجربة أخرى ورهانات أخرى.

أجد قاسم سليماني مُحصّلة لعلاقة مخصوصة بين الثورة والدولة في إيران. فالأصل أن تبتلع الدولةُ الثورةَ، مع الزمن. وذلك كان مسار كلّ الثورات تقريبا، ولكنّ بنية النظام السياسي الإيراني وأخصّ (للاختصار) مؤسسة “المرشد الأعلى للثورة” هي التي حافظت على حضور ما لفكرة الثورة رغم التحوّلات التي عرفتها إيران، وانعكس هذا الحضور على المؤسسة العسكريّة والأمنيّة فلم تكن مؤسسة تقليديّة.
قادة إيران كان منطلقهم ضمن “الإسلام السياسي” في المجال الشيعي. وكان بدوره متعدّد الروافد جمع بين الفكر الثوري الإنساني (شريعتي) والخط الكفاحي الإسلامي (مجاهدي خلق) والتيار الشريعي الثوري المرتبط بالرجعيّة (الإمام الخميني). وأفضت ملابسات الثورة في أيامها الأولى ثمّ في سنواتها الأولى إلى ما أفضت إليه من العجز عن صياغة تصور للدولة والسلطة والحكم خلاصة لكلّ هذه الروافد… فكانت التجربة التي نعلمها وتتواصل الآن. فالجذريّة لم تكن في مواجهة نظام الشاه فحسب وإنّما كانت بين روافد الثورة المتعدّدة، بعد إسقاط الشاهنشاهيّة.

قاسم سليماني هو التعبير عن هذا التوجّه الكفاحي الحركي الذي لا تقيّده حدود الأكاديميا والتنشئة المؤسساتيّة والاستراتيجيا المدرسيّة (يسار أمريكا اللاتينية عرف نماذج شبيهة)… هو الشخصيّة التي لم تخضُد شوكتها الدولة بنواميسها وتعليمها ومدرستها وأكاديميتها… فالمدرسة/الدولة كثيرا ما تكون سببا في طمس النمو الطبيعي لشخصيات فذّة فتردّها بطرق التربية والتنشئة إلى النواميس المسطورة وبذلك تمنع نبوغها وتفوّقها وتجاوزها السائد… نحن بإزاء فقدان زعيم أهلي وليس جنرالا في مؤسسة عسكريّة تقليديّة.

يشار إلى أنّ قاسم سليماني فوق الدولة، وخارج مؤسساتها… وهذا يؤكّد “النشأة الحركيّة الكفاحيّة” وامتداداتها إلى جانب دولة الثورة، من ناحية، والعلاقة بمؤسسة المرشد الأعلى التي بقيت على صلة بمعنى الثورة، وكأنها عقل إيران الآخر إلى جانب “عقل الدولة”، من ناحية أخرى… هي قوّة موازية (إذا غفلنا عن أنّها هي البذرة الأصليّة).

قاسم سليماني هو ابن “الاسلام السياسي الشيعي”، ولم يكن من دور لـ”لإسلام السياسي” في مجاليه السني والشيعي إلا بناء “حداثة العرب المسلمين السياسيّة” ومقدّمتها “تأسيس الديمقراطيّة”. وذلك بعد وهم تكفّلت التجربة برفعه، ونعيش حقيقته مع الثورة، ويتمثّل في اعتقاد أنّ القوى “الحداثيّة والعلمانيّة” التقليديّة في المجال العربي هي شرط تأسيس الديمقراطيّة والحياة المدنيّة الجديدة.

لكن في قاسم سليماني مفارقة، بين أصوله “الحركيّة الكفاحية” وتقاطعه مع موقف “الدولة الإيرانيّة” في المجال العربي من الربيع والاستبداد وتأسيس الديمقراطيّة. فالموقف الإيراني في سورية هو موقف الدولة، ويبدو أنّ هذا الموقف قد عرف منطلقه وسيطرته منذ غزو العراق وحكومة بريمر وامتدّ اللقاء مع الولايات المتّحدة إلى سورية والعراق (محاربة داعش معا)… فلم يكن من مجال للموقف الكفاحي الذي لا يمكن أن يناهض الربيع والحرية والكرامة أيّا كانت التقديرات الاستراتيجيّة.

أكثر من مصدر يشير إلى “فارسيّة” سليماني وقوميّته، وكثيرا ما يتمّ تقديمها على إسلاميّته المتمذهبة، غير أنّ تجربة الرجل تعود إلى توتّر بين “كفاحيّة حركية” و”استراتيجيات الدولة”، فكانت النتيجة: تحقيق أهداف الدولة بأسلوب حركي كفاحي… لذلك لم تكتشف العين الإيرانيّة خصوصيّة المجال العربي ومآل انبنائه قوة سياسيّة مثله مثل المجالين الجارين الإيراني والتركي. ولم يستخلص سليماني الدرس البليغ في تلازم المقاومة والمواطنة، وهو يدوس على ربيع الشام ظنّا منه أنّه ينتصر لمقاومة يعرف وظيفيّتها ويتجاهل أنّه لا فلاح لها إلا بانتصارها للمواطنة.

لم نظلم حين تحدّثنا عن المنتصرين على الربيع وعلى الشعب السوري، ومن بين هؤلاء إيران والأمريكان والروس. واليوم يعرف المنتصرون صراعا استراتيجيا داميا بينهم، ولكن الجديد هو أنّ الربيع الذي التقوا على محاربته في أكثر من سياق (سورية، العراق…) ينفجر بين أقدامهم في سياقات ظنوا أنّها طوت صفحتَه.
“الدولة المارقة” لا تواجه بـ”الدولة المستبدّة”.

شاهد أيضاً

نوبات تخريب بلا أفق

زهير إسماعيل  بقدر ما تنبّه إلى تعثّر في مسار بناء الديمقراطيّة والمواطنة الكريمة تشير إلى …

خاطرة في أنّ القوى العظمى تؤتى من داخلها في الأعمّ الأغلب..

زهير إسماعيل  ما شهدته الولايات المتحدة أمس يؤشّر على انقسام في المجتمع الأمريكي كاد يطول …

اترك رد