الخميس 15 يناير 2026
سامي براهم
سامي براهم

الأستاذ حمّة الهمّامي : هل هو فرصة زعيم وطني أهدرت ؟

سامي براهم

كنّا نزيلي نفس السّجن، وكنت وزملائي نتطلّع لسماع أخباره، أذكر قبل الثّورة ما لاقاه حزب العمّال الشّيوعي التّونسي من عنت داخل العائلة الماركسيّة عندما أعلن توجّهه الحزبي الإصلاحي المؤمن بالديمقراطيّة البرلمانية كنت شاهد عيان في الجامعة على التّجاذبات التي وصلت حدّ العراك والاشتباك العضليّ في علاقة بهذا الخيار السياسي.
التقيته بعد السّجن عدّة مرّات بشكل مباشر من خلال نقاشات أو في المسيرات والتظاهرات السياسيّة والحقوقيّة في مقرّ رابطة حقوق الإنسان وفرع أمنستي ومقرّ الحزب الدّيمقراطي التقدّمي، كان شديد النّقد للإسلاميين، وكانت حكاية فبركة الشريط مربكة لمساره ومسار حزبه، لكنّها لم تمنع إمكانيّة الالتقاء مع الإسلاميين في تحالف 18 أكتوبر.
كان هذا التّحالف ذا أهداف محدودة وظرفيّة ولكن مبدئيّة تتلخّص في أولويّة مقاومة الاستبداد على قضايا الهويّة، ولكن مع ذلك اشترط خصوم الإسلاميين عليهم التّوافق على حدّ مشترك من المسائل المتعلّقة بالهويّة والحريّات ونمط المجتمع والدّولة عقدت لها ندوات لم أتخلّف عن أيّ منها.
كانت تلك النّدوات فرصة لاكتشاف الرّجل الذي كان يوجّه خطابه للإسلاميين ويدعوهم لاكتشاف البعد الاجتماعي في الإسلام وفي شخصيّة النبيّ الذي اعتبر أنّ أهمّ ميزة له هي امتلاء حياته بالعمل، كنت حريصا على حضور تلك اللقاءات الحواريّة التي كانت تعقد تحت أنظار البوليس السياسي الذي كان يحاصر مقرّات اللقاء ويمنع النّاس من الالتحاق بالقاعة وكم من مرّة كان الدّخول بعد اشتباك ومغالبة ودفع وتدافع وكسر للحصار.
كان من دوافع حرصي للحضور الاستماع إليه لعلّي أجد في مداخلاته البعد الاجتماعي الغائب في خطاب الإسلاميين عن الإسلام، كانت النقاشات ثريّة وعميقة وهادئة دون تشنّجات بارزة وأفضت إلى نصوص مشتركة على قدر من الجديّة والجرأة والاتّزان ولم يبعد دستور الثّورة كثيرا عمّا حوته من قيم وتصورات.
بعد الثّورة التقيته في اعتصام القصبة 2 وهو يدعو إلى مجلس تأسيسيّ بينما كان غيره يناور أو ينتظر اتّجاه الرّياح أو يطرح مقترحات تلفيقيّة إصلاحيّة، كان خيار التّأسيسي ثوريّا يعبّر عن عمق نظر ورؤية استراتيجيّة لثورة وليدة يمكن أن تخنق في مهدها، سرت عبارة المجلس التّأسيسي مثل الكلمة السحريّة أو الكلمة المفتاح وسط المعتصمين وأصبحت المطلب المشترك لجميع المعتصمين والمكسب الذي خرج به المعتصمون من اعتصاميهم الأوّل والثّاني.
رأيته في أوّل الصفّ يوم شهادتي في هيئة الحقيقة والكرامة كان الضوء منعكسا فلم أتبيّن ردود الأفعال لكنّني رأيت دمعه في الأشرطة المسجّلة ولا شكّ عندي أنّها كانت دموع صدق وشرف إنسانيّ لا مجرّد تعاطف مع شخصي وتفاصيل شهادتي.
كان يمكن لكلّ هذه المعطيات الظّاهرة أن تجعل منه زعيما وطنيّا وفي أدنى الأحوال ممثّلا لتيّار اجتماعيّ واسع من الشّعب التّونسي، لكن اغتيال زعيمي التيّار اليساري العروبي أعادا عقارب السّاعة إلى الوراء كثيرا ليعود إلى مربّعات صراع التنافي الأيديولوجي القديم وخسرنا بذلك سندا قويّا وازنا للثّورة في بعدها الاجتماعي، حيث اختزل النّضال اليساري الماركسي في تعقّب الخصم اللدود وملاحقته في كلّ منعطف وزقاق للإجهاز عليه.
لم يستوعب أنّ الإسلاميين بقواعدهم وعموم قياداتهم ليسوا واقعة ظرفيّة مسقطة على الواقع التّونسي بل هم جزء أصيل من الواقع بكلّ تشوّهاته ومواطن خلله وقصوره الفكريّ والسياسيّ، لم يدرك أنّهم في غالبهم الأعمّ من البروليتاريا التي يتبنّى الدّفاع عنها، بل من الطبقات المحرومة والمهمّشة مثل قواعد حزبه التي انخرطت في ترذيل أبناء طبقتها وشركائها في البؤس الاجتماعي من الإسلاميين وتعييرها بالطّمع في التعويضات وبيع نضالها لتلتقي معها في المرحلة الأخيرة من العدالة الانتقاليّة وقد جمعت بينهم مقرّرات جبر النّظر وردّ الاعتبار.
ألم يكن من الحكمة السياسيّة التمييز والفصل بين استحقاق كشف الحقيقة حيال مظلمة الاغتيالات والاستحقاق الوطني بكلّ تحدّياته الكبرى؟
لقد أدّى رهن المظالم الشعبيّة الوطنيّة الكبرى لصالح مظلمة دونها قيمة واعتبارا مهما كانت رمزيّة شهيدي الاغتيال، إلى رهن اليسار الزّمن السياسي برمّته لزمن آخر لا يمكن أن يكون إلّا قضائيّا مهما كانت محاولات اختراقه سياسيّا.
لم يتمكّن الأستاذ حمّة الهمّامي من حلحلة الوضع وإعادة ترتيب الأولويّات بين الزّمنين فتضاءل اليسار وتضاءل زعماؤه وتحوّلوا إلى طلّاب ثأر لا عدالة بل أرادوا أن يكونوا هم الخصم والحكم وجهاز التّنفيذ.
لم بكن بإمكان الأستاذ أن يفكّر خارج إطار المظلمة حتّى لا يتّهم بالتراخي عن الدّفاع عن زعيم فصيل من مكوّنات الجبهة وبقي محلّ تشكيك وملاحقة في علاقة بمدى صدقه في الدّفع إلى كشف الحقيقة.
هي سياقات ملتبسة كأنّها أهدرت فرصة يكون معها أحد قيادات اليسار الماركسي التّونسي زعيما وطنيّا يعزّز معركة التّونسيين من أجل الاستحقاق الاجتماعي الاقتصادي والتنمية العادلة.


اكتشاف المزيد من تدوينات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

سامي براهم

في المرأة التي تَنكِحُ الرّجَل

سامي براهم  يقول قائلهم لفظ النّكاح فقهيّ قروسطي ذكوريّ يختزل العلاقة الزوجية في الجانب الجنسي… …

سامي براهم

سهام بن سدرين: الظلم ربّي ما يسمحش بيه

سامي براهم  لماذا كانت الأستاذة سهام بن سدرين محلّ استهداف وقصف عشوائيّ من الجميع تقريبا …

اترك تعليق