طارق عمراني
من كان يتّهم النهضة بالانبطاح والمكيافيلية، أصبح يحذّرها من سيناريو مصري!
يبدو أن ترشيح حركة النهضة لنائب رئيسها عبد الفتاح مورو ونائب رئيس مجلس نواب الشعب للانتخابات الرئاسية كمرشح داخلي بعد ماراطون شوري طويل، يبدو وأنه قد مثل حدث الأسبوع بامتياز حيث ملأ الدنيا وشغل الناس.
صدمة ترشيح شورى النهضة لعصفورها النادر الذي طار سابقا خارج أقفاصها وحلق مغردا خارج سربها ليعود إليها سريعا، تتجلى في الكم الهائل من التحاليل التي نشرتها المواقع الالكترونية والإذاعات وخيبة أمل اعترت فيلقا كاملا من المترشحين المنتظرين على أسوار مونبليزير.
دعنا بادئ ذي بدء نتحدث عن خلفيات هذا القرار غير المنتظر من خلال هذه الخلاصة التي لا تعدو أن تكون إلا تقدير موقف شخصي:
- حركة النهضة في الحوار الوطني سنة 2014، كانت قد استماتت في إملاء شرط تسبيق الإنتخابات البرلمانية على نظيرتها الرئاسية وهذا مفهوم لأن النهضة حينها لم تراهن على مرشح داخلي ولم تزكّ مرشحا من خارجها مباشرة رغم ميل شيخها الى فوز الراحل الباجي قايد السبسي حتى يترجم توافق البريستول بشكل ملموس.
وعليه فمن المعروف أن الانتخابات الرئاسية بمنطق الأشياء هي المحرار الأساسي للانتخابات التشريعية والفائز في الرئاسيات إذا ما كان متحزبا فإن مشروعه السياسي سيكتسح في التشريعيات، وفي وضعية الحال فوفاة الرئيس السبسي قد أربكت المشهد السياسي برمّته حيث أن الدستور يقتضي إجراء انتخابات رئاسية سابقة لأوانها في مدة محصورة بين 45 و 90 يوما، وعليه فإن الدور الأول للرئاسية سيسبق الاستحقاق التشريعي، وهو ما أعاد خلط أوراق حركة النهضة التي كانت تنوي صياغة تحالفاتها الرئاسية وفق مخرجات التشريعية.
مع تغير المعطيات فإن “ورطة” مونبليزير تقتضي مشاورات واسعة في هذا الصدد، ومن هنا كان النقاش محصورا بين خيارين، الدفع برئيس من داخل الحركة وهو خيار كان مستبعدا في بداية النقاش، وبين تزكية مرشح من خارجها، وهو خيار سياسي له تكلفته الشعبية. فدعم رئيس الحكومة يوسف الشاهد (الاسم المطروح مع أسماء أخرى) قد يتسبب في شرخ يصيب الجسم الإنتخابي للحركة على أعتاب التشريعية باعتبار تراجع الخزان الانتخابي وعدم قدرة مونبليزير على تأطيره وإقناعه بمرشح من “السيستام”، وهو ما يعني ضرورة تشتت الأصوات بين مترشحين محسوبون على التيار الثوري المعادي للسيستام (قيس سعيد ،منصف المرزوقي، مخلوف، عبو…)…
هذه الفرضية “المخيفة” أعادت صلب شورى النهضة الفرضية التي كانت مستبعدة، وهي الدفع بمرشح داخلي مع محدودية الخيارات، فالشخصية النهضوية القادرة على استيعاب الخزان النهضاوي وكبح جماحه لن تكون غير شخصية نائب رئيس الحركة عبد الفتاح مورو، الذي يحظى بمقبولية داخل الجسم النهضوي وحتى خارجه على عكس المزاج القيادي.
الغريب أنه بعد قرار شورى النهضة قد تعالت الأصوات الثورية والثورجية بالتخويف من سيناريو مصري، باعتبار ما أسموه الفيتو الدولي الرافض لترشيح شخصية إسلامية لاعتلاء سدة الحكم في قرطاج، والأغرب أن هذه الأصوات المتعالية بتخويف النهضة من سيناريو استئصالي كانت تتهم الحركة الإسلامية بالإنبطاح والتلون والاستسلام لنزوات السيستام.
