Site icon تدوينات

هل ستسقط الثورة في تونس أيضا ؟؟

عبد الرزاق الحاج مسعود

عبد الرزاق الحاج مسعود

عبد الرزاق الحاج مسعود

ليس من قبيل التشاؤم ولا التثبيط ولا الهوس بتعذيب الذات أن نستشرف عقلانيا وموضوعيّا مآل الثورة التونسية في القريب المنظور وقد توفّرت كلّ عناصر الرؤية تقريبا.
منذ سنوات يجري حديث عاطفي كثير حول اعتبار تونس استثناء ديمقراطيّا نجح في “الصمود البطولي” في وجه الثورة المضادّة التي انطلقت خائفة متردّدة منذ السنة الأولى للثورة التونسية، قبل أن تتوسّع باتساع رقعة الثورات العربية وتأخذ طابعا دمويّا علنيّا ممنهجا بقيادة الحلف السعودي الإماراتي المصري الصهيوني وبتخطيط ومباركة وإشراف دولي تقاسمته عسكريا وسياسيا كل من أمريكا وروسيا، ثورة مضادّة حوّلت سوريا ومصر واليمن وليبيا (والسودان والجزائر ليسا بعيدين عن هذا المصير، وتونس أيضا) إلى أكبر محرقة بشرية في تاريخ العرب المعاصر.
الحديث عن صمود التجربة التونسية واستثنائيّتها ليس أكثر من وهم/أمنية تنكر ما ترسّخ من حقائق استراتيجية إقليميا ودوليا لن يزيدها الإنكار إلا فاعلية ورسوخا.
• يشاهد كلّ العالم الحريقين السوري واليمني في صمت وذهول وعجز وتواطؤ. أبيدت الثورة السورية لأنها على حدود الكيان الصهيوني الغاصب ولأنّ النخب الفكرية والسياسية السورية كانت تتوفّر على الأدنى من شروط التغيير والنهوض العربي. ولم يكن الاستعمار الدولي برأسيه الأمريكي/الصهيوني والروسي (التي تضم معها الصين حليفا سياسيا بصدد الزحف الذكي في المشهد الدولي) ليسمح بتحرّر مجتمع ودولة مفتاح في المجال العربي مثل سوريا، فتداعى بكلّ ثقله العسكري والمخابراتي (اختراق الثوار بالجهادية السلفية الجاهلة الممولة والمسيّرة خليجيا بأوامر أمريكية) لا فقط لمنع سقوط النظام الدموي هناك، بل لتغيير معطيات الديموغرافيا وقتل بذور كل تغيير مستقبلي نحو دمقرطة المجال التاريخي والثقافي العربي وأنسنته وعقلنته.
بنفس الهمجية والتوحّش والمكر الاستراتيجي تمّ استدراج كلّ من إيران والسعودية (وجها السلفية الأصولية الفقهية الجاهلة المتنازعة على وهم زعامة العالم الإسلامي) إلى حرب بالوكالة حققت مجموعة أهداف استعمارية دفعة واحدة: رهنت مقدّرات السعودية الضخمة وورّطتها في حرب تستنزف ثروتها وثقلها الإقليمي العربي المفترض، واستدرجت إيران المتمذهبة أيضا إلى حرب أخرى فوق أرض عربية أخرى بعد لبنان وسوريا والعراق جعلت منها أداة لتفتيت الجسم العربي المنهك بالدكتاتوريات والتخلّف، ولتتّخذها أمريكا ذريعة/فزّاعة إضافية لابتزاز الخليج ونهب ثرواته وتعزيز حضورها العسكري المباشر في المجال العربي.
في ليبيا يتواجه المحور القطري التركي مع المحور المصري الإماراتي السعودي بمتابعة قريبة فرنسية روسية إيطالية لينتهي إلى تثبيت حالة حرب أهلية مفتوحة لا تهدّد تدفّق النفط الليبي إلى السوق العالمية.
وقبل ذلك شاهد العالم مجزرة الجيش المصري/الصهيوني بمباركة أمريكية ودولية وتمويل سعودي في حقّ متظاهرين عزّل (نستطيع أن نقول عن سذاجتهم السياسية ولاديمقراطيّتهم المبدئية كلّ شيء دون أن ينقص ذلك من بشاعة جريمة إبادتهم شيئا) توّج بها الجيش انقلابه على ثورة مصرية لم يكن مسموحا صهيونيا وأمريكيا وخليجيا بنجاحها، فضلا عن عجز الجبهة الداخلية بكل فصائلها عن فهم متطلّبات المرحلة.
نأتي الآن إلى تونس:
في سياق انقلابي ممنهج رأينا شراسته ودمويته التي فاقت الخيال في الشرق العربي، كان الانقلاب على الثورة في تونس “ناعما” -حتى الآن ونسبيّا- ومتقلّبا. “نعومة” محسوبة تخلّلتها عمليات “إرهابية” واغتيالات مدروسة لم تكن بعيدة عن غرف القرار السياسي الفرنسي الذي لا يرى تونس خارج مجاله الحيوي الاستراتيجي (مجال تحميه فرنسا بحضور عسكري كبير في إفريقيا جنوب الصحراء وجازفت من أجله بتدخّل همجي في ليبيا ما زال متواصلا ويغذّي عرقلة الحل السياسي هناك)، ولكن يبدو أنه بالنظر لعمق تغلغله في النسيج الاقتصادي والسياسي والثقافي التونسي خيّر مرافقة العملية السياسية الانتقالية بهدوء حذر وانحاز لخيار الاختراق المخابراتي والإعلامي والخنق الإقتصادي وترتيب التحالفات السياسية المركّبة التي انتهت بعودة تدريجية للقديم، وبترويض/احتواء/توظيف (ظرفي أكيد) لحركة النهضة باعتبارها العنوان الأكبر للإسلام السياسي في تونس (وتمثّل الزيارة الأخيرة لرئيس حركة النهضة لفرنسا تتويجا نوعيّا علنيا لمسار الاحتواء والطمأنة المتبادلة). هذا الخيار الفرنسي “غير العنيف” وجد نفسه في لحظة ما في مواجهة/منافسة مع الخيار الإماراتي السعودي المنحاز للعنف العاري كما في المشرق، مواجهة انتهت بتسوية/تنسيق بين الطرفين لا ترشح تفاصيلها، غير أننا ندري أن خيار الاستهداف العنيف للتجربة لم يتمّ استبعاده قطّ، ليس بسبب صلابة الجبهة الوطنية التونسية طبعا وتماسك الصفّ الثوري واستعصاء نضالي شعبي، بل بسبب حسابات/ترتيبات المصلحة الفرنسية والدولية أوّلا وأخيرا.
هل سيصمد هذا الخيار حتى موعد الانتخابات القادمة؟
في تقديري لن يصمد. المكتسبات الديمقراطية المؤسساتية المتحقّقة تونسيا حتى الآن من دستور وانتخابات دورية وهيئات دستورية مستقلة وأهمها هيئة الانتخابات، مكاسب هشّة ومخترقة. صحيح أنها ليست شكلانية تماما وتحظى بحدّ مقبول من المصداقية الإجرائية، لكنها هشة وقابلة للتوجيه والاختراق وحتى “التعليق” بذرائع “طارئة”.
لذلك نتوقّع من هنا حتى الانتخابات القريبة أن يتم استكمال شروط تغيير قواعد اللعبة السياسية تماما لصالح مشهد جديد قوامه أشباه أحزاب بلا هوية ولا برامج، مشتتة ومتنافسة، تحكمها زعامات مريضة مهووسة بالمناصب ومستعدة للانخراط في أي مناورة تستهدف تزوير للانتخابات. تزوير يتمّ التحضير الممنهج له من قبل أطراف عديدة من بينها هيئة الانتخابات التي تمت هرسلتها على امتداد سنوات بغاية الوصول إلى تشكيلتها الحالية الباهتة، والتي افتتحت مهامّها بعملية تسجيل مشبوهة لناخبين لم يذهبوا لمكاتب التسجيل من الأساس، بما ينبئ بإمكانية توظيفها في عملية تزوير الكتروني مؤثرة للانتخابات القادمة.
تزوير لن يستبعد افتعال أحداث عنف في عدد من مكاتب الاقتراع في الجهات ذات الثقل المعارض للمنظومة القديمة، بما يؤدي إلى إلغاء نتائج تلك الجهات أو تخويف الناس ومنعهم من الاقتراع، أو الاستثمار الأقصى في شراء الأصوات بما يؤثر مباشرة في النتائج (ولعلّ نموذج نبيل القروي وجمعية عيش تونسي وحزب رئيس الحكومة الحالية نماذج دالة على حجم التزوير القادم).
بهذا الهدوء والتدرّج يتمّ تصنيع مشهد يكون فيه الكلّ ضعيفا ليتم بعد “انتخابات” نزيهة ظاهريّا وقانونيا تشكيل “ائتلاف حكم الضرورة” ضعيف دافعه الوحيد هو أخذ نصيب من الحكم، بالنهضة أو من دونها.
النهضة التي سيتراوح حجمها الانتخابي بين 15 و20 في المائة (بالتزوير قد تنزل النسبة أكثر) بما سيجعلها طرفا ضعيفا وغير حاسم في تشكيل الإئتلاف الحاكم وهو ما سيضعها أمام خيارين: إما المشاركة الهامشية جدا إن ظلّت الحاجة إليها قائمة “حسابيّا”، وهو ما سيعجّل بانفجارها الذي تتراكم ظروف حصوله يوما فيوما بسبب انفراط عصبية التأسيس وتآكل شرعية المحنة واحتداد الصراع داخلها حول تقييم تجربة مشاركتها في الحكم خلال ثمان سنوات، أو الانضمام إلى معارضة حكومة لن تدّخر جهدا في اصطناع شروط القوّة ولن تتورّع عن الذهاب في مسار هرسلة قضائية لنهضة ضعيفة (بتوظيف ملفّ الجهاز السرّي مثلا رغم ما تبيّن فيه من فبركة) تمهيدا لإقصائها.
بقية مكوّنات المعارضة “الديمقراطية” ستتحوّل إلى صوت برلماني بلا تأثير أو مشاكس لا أكثر، وقد يتمّ استدراج بعض رموزها إلى مناصب كافية لإسكاتها.
اتحاد الشغل الذي طالما مثّل رقما وطنيا محدّدا في التوازنات السياسية، وهيكلا نضاليا وازنا واسع الانتشار ومخترقا للحواجز الحزبية وحاضنا لأوسع فئات المجتمع، يمرّ بتحوّلات عميقة ويتمّ تحييده تدريجيا وابتزازه بملفات قضائية يبدو أنها ثقيلة وتربك سلوك قياداته التنفيذية العليا والوسطى، فضلا عن اهتراء مصداقيته لدى جزء كبير من قاعدته ولدى الرأي العام الشعبي بعد تحرّكات غير مدروسة في قطاع التعليم الثانوي خلال سنتين متتاليتين، وبعد تتالي مناوراته “السياسية” الغامضة من قبيل التلويح بالمشاركة الكاملة في الانتخابات ثم التراجع لصالح الاكتفاء بمراقبة مكاتب الاقتراع…
السيناريو المتفائل القائل بأن هناك حزبا محسوبا على الثورة بصدد الصعود في استطلاعات الرأي واكتساب ثقة الصف “الثوري” المنقسم والمتراجع، وأنه قد يحدث المفاجأة وينجح في تجديد دم الثورة التونسية وتكوين ائتلاف حكم وطني ثوري، أراه سيناريو مغرقا في المثالية. أوّلا بسبب المعطيات التي سبق أن ذكرت، ثانيا بسبب إصابة هذا الجسم الجديد/القديم نفسه بكلّ أمراض السياسة في تونس. وما يحدث في الجبهة الشعبية نموذج حيّ للحضيض الذي بلغته التنظيمات التي علّق عليها الناس آمالا حقيقية في التغيير. فضلا عن أن “الذباب الالكتروني” الغبيّ والمخترق لأحزاب “الثورة” يوسّع الهوة النفسية بينها ويخوض حروبا لا أخلاقية تدمّر قاعدة أي عمل مشترك ممكن مستقبلا.
أخيرا
تبيّن من يوميات الانتقال التاريخي العربي الأخير، أن البنية النفسية والذهنية للفرد عندنا بنية سلطوية عصابية طاردة للعقل ومصابة فعلا بجنون عظمة تملّك حصري للحقيقة، بنية تشرب من معين تديّن انفعالي شبه سحري وفقهي مفارق لحيثيات التاريخ، ومن تصلّب ايديولوجي ستاتيكي أيضا غير معني بحقائق الواقع، وكل ذلك يتحرّك في محيط من الأمية التعليمية والثقافية والسياسية الواسعة جعلت عملية اختراق وعي “الجماهير” عملية يسيرة بما سهّل ويسهّل على الثورة المضادّة بأدواتها الإيديولوجية الذكية تمييع الثورة ومهزلتِها وتركيكها في لغة ونفسية ووعي “الشعب العظيم”، ومن ثمّ الانقلاب على الثورة بالجماهير نفسها التي قامت من أجلهم.
في ظلّ كل هذا: هل نتوقّع بزوغا مفاجئا لوعي استراتيجي لدى نخب السياسة والفكر يستبق انهيارا تراجيديا قد يفتح على دكتاتورية أمنية عمياء أو حالة فوضى “مبرمجة” تُفكّك أوصال الدولة والمجتمع.

Exit mobile version