عبد اللطيف علوي
كان لي زميل، سوكارجي بلاّعة. طبعا لم يكن يصلّي وكان يشرب كلّ يوم تقريبا.
لكن عندما يأتي رمضان، كانت حاله تتغيّر بين عشيّة وضحاها، كما لو أنّه أصابه مسّ من الرّحمان، وكان يقول لي: “سيدي رمضان ما معاهوش لعب”. وكان يصوم ويخلص في صيامه، على الأقلّ فيما كان فيما يظهر من سلوكه.
كنت أستحسن منه ذلك، ولم أشعر يوما أنّه كان ينافق، أو يناقض نفسه…
كنت أشعر أنّ رمضان هو حبل النّجاة الّذي يلقيه له الله كلّ عام علّه يتمسّك به وينجو، لكنّه كان في كلّ مرّة يفلته من جديد ويعود إلى غيّه يتخبّط في بحر لجّي يغشاه موج من فوقه موج من تحته موج…
كان رمضان هو كفّ الرّحمة الالهية التي تأتيه من عام الى عام، كي تحافظ له على شعرة الوصل مع دينه ومع ربّه، وكنت واثقا أنّه مادام يمسكها، لن يخيب ظنّه ورجاؤه في خالقه أبدا، ولو بعد حين!
بعد أكثر من عشرين عاما التقيته، فوجدته على غير ما عرفته، شخصا أشتهي أن أكون مثله، إيمانا والتزاما ويقينا وسكينة، شعرت حينها ما معنى أن يكون رمضان رحمة للعالمين، وليس كما يظنّ البعض معسكرا للتعذيب، فيه يجوعون ويعطشون ويحرمون.
في ريفنا البسيط الهادئ، بفطرته السّليمة، كنّا نسمّيه “سيدي رمضان”.
كنّا ننطقها من القلب، بملء الفم، تعظيما وإجلالا وحبّا، كما لو كنّا نقصد بها جدّنا الأكبر ذا اللّحية البيضاء، نتخيّله وهو يعود إلينا بجيوب ملأى بالحلوى وكلّ المشتهيات، فنهرع راكضين لاستقباله، ونتعلّق بتلابيبه فينحني برفق كي يقبّلنا ويربّت فوق رؤوسنا ويرفعنا إلى كتفيه.
كان زميلي يقول أيضا: “سيدي رمضان ما معاهوش لعب!”، بمنتهى الإجلال أيضا والتّعظيم، والحبّ.
إلى أن أكرمه الله.
غدا نستقبل حبيبا، ظلّ يواعدنا على الزّيارة كلّ عام، بنفس الجراب الملآن بالرّحمة والعفو والغفران، وسوف يظلّ يفي بوعده دائما ويعود مشتاقا لرؤيانا، لكنّنا قد لا نكون هنا في المرّة القادمة في انتظاره حين يأتي… فاشربوا من كفّه، قبل أن تفارقوه فراقا لا وصل بعده.
اللّهمّ إنّك عفوّ كريم تحبّ العفو فاعف عنّا!
#عبداللطيفعلوي
سيدي رمضان ما معاهوش لعب

عبد اللطيف علوي