Site icon تدوينات

طفل حالم ..

علي المسعودي

علي المسعودي

علي المسعودي
أن تكون طفلا يتشبث بالتلابيب مخافة الضياع أو السقوط، فهذا ما كنا عليه جميعا.. أما أن نكون ذلك الطفل دائما فهذا ما نحن عليه أيضا !..
كان صبيا غضا، لا يبعد عن الأرض سوى بضعة أشبار.. وكان يزعجه ماهو عليه.. كل ما حواليه يشعره بمدى ضآلته: سقف بيتهم الذي لا تطوله يداه، وشجرة الكالبتوس العالية التي تتوسط ساحته.. كيس التمر الذي في أعلى سدة المؤونة، وصورة أبيه المعلقة أعلى الحائط.. الكتاب السميك الذي بين يدي أخيه الأكبر، وصوت أبيه المزلزل أثناء الغضب.. الجبال الهائلة الممتدة على امتداد البصر، ومنحدر الوادي المخيف الذي يعترض طريقه إلى المدرسة..
وكان كلما فكر في تلك الأشياء التي لا يستطيع فعلها مثل الكبار، يتمنى لو أنه خرج من جلده، وأصبح لساعته رجلا بين الرجال.. لو يتسارع الزمن كما يفعل عادة بساعة اليد التي اشتراها من السوق، لو يقفز قفزة واحدة في الزمن.. ويرى نفسه قد حقق كل أحلامه وأمانيه.. ولكن جسده يحبسه، والأفق يحبسه، وكل تلك القامات الطويلة التي تملأ العالم من حوله تحبسه أيضا.. وتكاد تحجب عنه ضوء الشمس ونور القمر.
لا تسأل عن أحلامه.. لقد ولد حالما.. وله عقل لا يتسلى بغير ذلك.. هو يحلم بكل شيء.. أن يكون مثلا مثل أبيه بقامته المديدة وصوته الجهوري، أو عمه الذي يثني قامته تماما من أجل أن يطبع قبلة على طرف جبينه.. يحلم أن يكون مثل جارتهم العجوز التي لا يكاد يحصي حكاياتها العجيبة، أو أخيه العاكف على القراءة، وحده في الغرفة.. دون أن يحتاج مثله إلى اللعب.. وكان يحلم أيضا بأن يكون مثل معلم المدرسة الذي تتضخم صورة وجهه في كل درس، وتخترق عيناه جسده النحيل كسكين حادة، أو شيخ القرية المبارك الذي يتحلق حول حديثه الكبار مثل صبية صغار..
كان يحلم بكل تلك الأشياء وأكثر.. ولكنه كان يحلم أيضا بأشياء جنونية لا يقبلها عقل.. كان يحلم مثلا بأن يكون كطائر في السماء، لا قيود تشده أو عقال.. أو غيمة بيضاء تطول بنظرها كل الأرض وكل السماء.. هي خيالات الطفولة.. وهي أضغاث أحلام وكفى..
نما عوده مع الأيام.. وما عاد جسده ضئيلا.. بل زاد حجمه طولا وعرضا، ونبت له شاربان وعارضان.. ولكن أحلامه مازالت بعيدة كذلك الجبل البعيد.. مازال بعض الناس من حوله من العماليق.. ومازال صاحبنا قزما بمترين تقريبا.. وكلما فكر في أحلامه الضائعة، يدب اليأس إلى قلبه، ويركن إلى الرضى بقدره، مثلما يرضى الكسيح بعاهته.. ولكنه سرعان ما ينتفض انتفاضة المذعور.. ليعود طفلا كما كان، يلهث وراء كتاب الأحلام.
صار شعره أشيب.. وصارت له، أيضا، مكانة مرموقة. لقد تزوج كباقي الخلق، ويسعى إلى أن تكون زيجته مباركة، وأصبح موظفا حكوميا ويطمح لأن ينال الترقية الموالية، وانخرط في أحد الأحزاب كعضو قاعدي، ويأمل في أن يكون جزءا من القيادة الحكيمة بعد سنوات.. هو أيضا دودة كتب.. لا يمل من القراءة والكتابة أحيانا، ولا يخفي طموحه في تأليف كتاب يضعه مع المجلدات الضخمة التي تزين مكتبته والتي يعود إليها كلما أعوزته المعرفة.
اليوم، تقاعد صاحبنا عن العمل.. وعن الأحلام أيضا.. لقد طوى صفحتها إلى الأبد، ولم يعد يخجل من ضآلته.. لقد أدرك أن العماليق يوجدون دوما هناك.. على مرمى حجر.. وهم يبتعدون عنك بقدر ما تقترب منهم.. ولن تستطيع أبدا الدخول، يوما، إلى عالمهم أو قياس أطوالهم. لقد أدرك أيضا أن أقرب الأحلام، هي أكثرها جنونا.. ولذلك احتفظ بحلم واحد، أبى أن يغادر مخيلته.. وهو أن يكون مثل تلك الغيمة البيضاء التي تطل على العالم.. وهكذا، يستطيع أن يكبر.. وأن يتسع بقدر اتساع الأرض والسماء..

Exit mobile version