الأحد 11 يناير 2026
علي المسعودي
علي المسعودي

في التعليم .. مرة أخرى …

علي المسعودي
سألت صديقي عن رأيه في حال التعليم هذه الأيام فقال :
سأسرد لك شيئا من الماضي، ولعلّك تظفر في ثناياه ببعض الجواب.
أثناء سنوات البطالة الطويلة دفعني اليأس مرّة إلى التفكير في مقاضاة الدولة التي استولت على حياتي منذ نعومة أظفاري دون وجه حقّ.. لقد أجبرتني على دخول المؤسسة التعليمية دون أن تستشيرني أو تستشير عائلتي، ثم رسمت لي توجّها في دراستي الجامعية لم أختره. ولمّا أنهيت دراستي التي امتدّت عقدين رمت بي في لجّة الحياة مع بضعة أوراق ملوّنة تُسمى شهادات !.. كنت سأدفع بأن ما حصل هو عملية حجز واختطاف دون رضى، ووعود كاذبة دون فعل.. وها أنا اليوم لا أحسن حتى وضع الخيوط في الإبر..
أنظر إلى حياتي الماضية فلا أراها تستحق النظر.. حالي مثل فتاة قاصر زوّجوها كرها ثم طلّلقوها كرها، فما عادت تصلح لإعمار ديْر أو دار.. كنت مجرد مادة خام استعملها مصنع عظيم اسمه الدولة من أجل تحويلي إلى مادة شبه مصنعة حتى تستمر دواليب المعمل في الدوران وكسب الربح.. والمادة الخام لا تتحوّل أبدا إلى كيان ذي رأي أو عقل.
تداركت الدولة خطأها ووفرت لي وظيفة، ومع الوظيفة أصبحت لي عائلة.. فكرت كثيرا، وقلت في نفسي هذه الدولة لا يُؤمن جانبها ولا وعدها.. ومدرستها ترفع الأمية ولكنها تدفعك إلى أمية أخطر وأكثر بؤسا.. قررت في البداية أنه إذا حان التمدرس لن أرسل ابني إلى أيّ مؤسسة، وسأوفّر له تعليما بيْتِيًّا يبْني شخصيته، ويهيئه للحياة بأفضل مما تفعله.. ولكني أدركت في النهاية أني عقيم، وأن الدولة قامت بدلا مني بأدوار الفحولة. فسلمت ابني لها بحكم القانون، مثلما فعلت عائلتي بي منذ سنين !.”
صديقي الكريم رسم بصورة الماضي كلّ مأساة الحاضر. وأشعل فتيل كل الأسئلة الحارقة. قد يكون متطرّفا في رؤيته لمفهوم الدولة والمجتمع. ولكنّه يضعنا في قلب المسألة التربوية للدولة الحديثة.
قديما، وقبل ظهور التعليم النظامي كان المولود ملكا خاصا لعائلته، ويبقى كذلك حتى بعد بناء أسرته.. قد تنازعها القبيلة في بعض الحقوق، ولكنها تظل محافظة على أغلبية الأسهم فيه. غير أن المجتمعات المعاصرة يحتدم فيها صراع على الملكية منذ الولادة بين العائلة والدولة.. وربما قبل ذلك، من خلال اشتراط الموافقة على عقود الانتاج (الزواج).. ثم اشتراط المصادقة على التسمية لتستحوذ الدولة في النهاية على السلعة المنتجة نهائيا من خلال إجبارية التعليم !.
الدولة الحديثة يقوم وجودها ذاته على احتكار التعليم.. وإذا فشلت منظومة التعليم فهذا ايذان بفشلها وانهيار أسبابها.. وإذا كان مطلوبا من المواطن أن يسلم أبناءه لمؤسسات الدولة بغاية ادماجه، فهذا يفترض أن ثمة توافق مجتمعي على طبيعة هذه المؤسسة وأهدافها.. وفي غياب هذا التوافق سينحل العقد المجتمعي، وستستعيد الأسر أبناءها، بطرق ملتوية، لتشكيلهم وفق رؤية ذاتية تكون في الغالب معادية لمنطق الدولة.
•••
أعتقد أن انتشار المدارس غير النظامية يعكس الأمراض التالية :

  • أن التعليم العمومي ليس محلّ اجماع أو رضى من قبل الجميع، والأمر لا يتعلّق بظاهرة المدارس الدينية فقط، بغض النظر عن المعتقد، بل بكل المؤسسات التعليمية الخاصة.. رصيد الثقة في المؤسسة العمومية يتناقص يوما بعد يوم.. وهذا برأيي يستدعي مؤتمرا وطنيا يعيد من جديد صياغة أهدافه العامة، وبالتالي أهداف الدولة منه.
  • الطبيعة تأبى الفراغ، ومنظومة التعليم التي تلقي من سفينتها مائة ألف كل عام لابد وأن تنبت على حواشيها منظومات موازية تأخذ على عاتقها إثبات نجاحها حيث فشلت الدولة
  • سيظل التعليم النظامي يأكل من رصيده ومن عديده كل عام، وسيتوسع التعليم الموازي تدريجيا إلى أن يبتلع الدولة نفسها إذا لم تتدارك مواطن الخلل.. ولا عجب، فالفاعلون في الميدان لم يلامسوا سطح المسألة، بل ويتناوبون كل يوم على هدم المدرسة.
  • السجالات في الفضاء الافتراضي هي سجالات موبوءة. والوباء هو السياسة.. لقد تمّ تعويم قضية المدرسة القرآنية بالرقاب في حمى الصراعات الحزبية المعتادة دون أن يُطرح السؤال الصحيح: لماذا توجد مدارس من هذا القبيل ؟.. ولماذا نشتمها دون أن نرى من خلالها الفشل الذريع لمنظومة التعليم ؟
  • إذا استمرّ تناول المسألة التعليمية بهذا القدر من التعامي عن العلل الحقيقية سيأتي اليوم الذي بشّر به أحد المدوّنين: انتهاء التعليم النظامي، واستبداله في كل دشرة وقرية بمدرسة قرآنية تقابلها (مدرسة شعبية خاصة) على حد قوله.. وينفرط عقد المجتمع والدولة… والوطن !.

اكتشاف المزيد من تدوينات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

علي المسعودي

عندما تولد الآلهة .. وتموت أيضا ..

علي المسعودي تحتاج الدولة الغاشمة إلى شعب مؤمن عند الطلب حتى يستمرّ كيانها،.. بل إنها …

علي المسعودي

بيـــــان الخـلـع …

علي المسعودي الجامعة العامة للتعليم الثانوي تنتحر كل يوم.. وفي كل يوم تقطع شريانا من …

اترك تعليق