1. خرجت علينا ذات يوم فتاة عاريةً.. ليس بجسدها ما يغري.. ولو كنتَ أغزل شاعر ما وجدت منها ما يثير قريحتك.. ولن تنصفك القريحة حتّى بما يشبه الهجاء.. شيء كلا شيء.. شبح فيزيائيّ دون اللغة وتحت ما يسمح به الوصف.. طلبت تلك الفتاةُ الكشفَ فما انكشف منها شيء سوى عنوان هو دون الجمال وفوق القبح.. منزلة أخرى لم تكتشف كهوفَها لغةُ البشر.. اشمأزّت الذاكرة بظهورها.. ثمّ نسيت سبب الاشمئزاز.. لو كانت جميلة لما تعرّت في وسط الطريق قصبةً جوفاء لا ملامح لها.. ولو كانت امرأة ما تعرّت لأنّ الأنوثة باللباس بيانُها وبالكساء وصفُها وبالإيحاء غوايتها.. عود الثقاب سلاحٌ ما لم يُقدَح فإذا قُدح سهُل على الهواء إطفاؤه.. وفي إطفائه عدَمُه…
تلك الفتاةُ قتلتها الحريّة وصارت خبرا بعد عين.. ولم تحفظ العين منها شيئا.. احتفت بها المنابر تدعوها لتصف بعُوائها ما لم يصفْه عراؤها.. فلم تستطع وصفًا لموصوف.. وكيف يوصف من لا صفات له؟ كان لسانها عن البيان دون جسدها قدرة.. وقد أوهموها بأنّها بما فعلت ستكون قدوة.. فابتعلها النسيان ذكرى متخثّرة لا تصلح لغير إفساد الحلم وقطع الاشتهاء..
2. الممثّل الذي خرج يرقص عاريا على ركح المسرح يعلم أنّه يؤدّي دورًا.. لعلّ الدور سلبه اسمه ولقبه وأصله وفصله.. وسلبه الإنسان المدنيّ الذي جاءه من يوم خروجه من رحم أمّه.. واللباس هو المدنية في حدّها الأدنى بعيدا عن ثقافة الأخلاق التي قد لا تروق للبعض…
من يأتي لمشاهدة مسرحية إنما يأتي يطلب فنّا.. والفنّ جمال.. والجمال قِبْلة.. وعلى الجمال آيات بيّنات.. من جاء لمشاهد المسرحية جاء وفي رأسه ميثاق مع المسرح فنّا عريقا ومع صانعي المسرحيّة المقصودة.. جاء الرجل معه ابنته تصحب صديقتها ترافقها أمّها لحقت بهم جدّتها يرافقها ابن أخيها.. اجتمعت أجيال متعدّدة في مسرح وطنّي بمدينة عمرها يُعَدّ بالآلاف في دولة تشيد بالثقافة والمثقّفين..
اختار المشاهدون مقاعدهم في صخب أطفال يستفزّهم التوقّع.. صفّقوا.. وضحكوا.. وبكوا.. وتنوّعت انفعالاتهم بتنوّع مواقعهم العمرية والشعورية والمعرفيّة..
وفجأة وبلا مقدّمات وبلا خيط ناظم وبلا سبب واضح خرج على الركح جسدٌ عارٍ.. عارٍ تماما.. لا شيء عليه ولا شية فيه كوليد أفلت للتوّ من الرحم.. كانت الصدمة.. ليس في الأمر انتهاكٌ لأفق انتظار ولا خَرقٌ لتوقّع.. لا فكرة ولا معنى.. جسد منفلت من المدينة يتلوّى..
صُفع المشاهدون.. تاهت العيون.. صعُب عليها التقاطع..
كيف نخرج؟ كيف نعود؟ ماذا نقول؟
تحرّكت الخواطر في جهات شتّى.. لم يكن ذاك رجلًا.. ولو كان رجلا ما تعرّى..
الرجولة لا تكون بالتعرّي..
والجمال لا يأتي به القبحُ
ولكن في لحظة ما سمعوا صوتا مذكورا خرج عليهم في لحظة سابقة..
” هاو تو نعرّي عليكم روحي”..
وقتها فهموا أنّ ما رأوا إنّما كان روحه الطاهرة التي توعّدهم بها…
ذلك عراء الروح..
في الريح…
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
تدوينات لحرية الرأي وثقافة الحوار
