Site icon تدوينات

البقرة الحلوب والزوجة

عبد-اللّطيف-درباله

محامي وكاتب تونسي

عبد اللّطيف درباله
يحكى أن رجلا يهوديّا كانت إمكانيّاته الماديّة محدودة.. وكان لديه عددا كبيرا من الأطفال.. وقد ثقلت عليه مصاريفهم..
وذات يوم جلس يشتكي حاله لصديق له يهودي هو الآخر.. وحدّثه عن عجزه عن توفير مستلزمات وحاجات أبنائه الكثّر..
وقال له أنّه يحتار حتّى في توفير الحليب اللازم لهم كلّ يوم..
نصحه صديقه بالاستثمار مرّة واحدة في شراء بقرة يمكنه دفع مالها بالتقسيط على فترة طويلة.. وقال له أنّه بذلك سيوفّر لأولاده الحليب مجّانا يوميّا.. كما أنّه سيكون له فائضا من إنتاج الحليب كلّ يوم يمكنه بيعه وتوفير بقية الحاجات الغذائية للأطفال.. ودفع ثمن البقرة منها..
وسأل الرجل صديقه أين يمكنه تربية البقرة وهو لا يملك إسطبلا؟
فأجابه بأنّه يمكنه تربيتها ببساطة في حديقة منزله.. معلما إيّاه بأنّه يمكنه ترك البقرة ترعى من الأعشاب والزبالة في الشارع بمحيط المنزل.. ولن تكلّفه بذلك تربيتها أيّ مصاريف إضافيّة..
أعجبت الفكرة الرجل وسأل صديقه هل فعلا هذا حلّ مناسب؟؟
فأجابه صديقه بأنّه يحدّثه عن تجربة.. وأنّه سبق له شراء بقرة.. وكانت نتائجها الماليّة عظيمة فعلا..
بعد أيّام اشترى الرجل بقرة حلوب.. ودخل بها للحديقة.. ففرح بها الأطفال..
لكنّ الزوجة اندهشت وانزعجت.. وقد كانت تعرف ما معنى تربية بقرة في الحديقة..!!
وفعلا.. أصبحت أوساخ وفواضل البقرة تغرق الحديقة.. وروائحها الكريهة النتنة تصل إلى وسط المنزل..
وجنّ جنون الزوجة.. وأصبحت البقرة موضوع خصوماتها اليوميّة مع زوجها..
وعبثا حاول الزوج إقناع زوجته بأنّ البقرة قد حلّت له العديد من المشاكل الماليّة وحسّنت من إمكانيّات العائلة.. لكنّ امرأته لم تكن على استعداد لسماع كلّ ذلك بعد أن تحوّل المنزل إلى شبة زريبة لا تكاد تطيق العيش فيها..
في النهاية نفذ صبر الزوجة.. وأنذرت نهائيّا زوجها بأنّه إذا لم يخرج البقرة من المنزل خلال يومين.. فإنّها ستترك له المنزل وتهجره طالبة الطلاق..!!
ذهب الرجل مهموما إلى صديقه وروى له تطوّر الأحداث.. وقال له أنّه أصبح مضطرّا للتخلّي عن تربية البقرة رغم أنّها مفيدة جدّا وأراحته ماديّا..
فنصحه صديقه بأن لا يذعن لزوجته.. وأن لا يتخلّى عن تربية البقرة المربحة.. وقال له: “سأعطيك الحل”ّ..
وما هو الحلّ؟
قال له صديقه.. أدخل البقرة إلى وسط المنزل.. وقل لزوجتك أنّك تخاف عليها من البرد والمطر.. وأنّك لن تتخلّى عنها.. وأنّه إن لم يعجبها الحال.. فبإمكانها أن تغادر هي المنزل وتذهب إلى بيت والديها.. لكنّ البقرة باقية ولن يتركها..!!!
نظر الرجل مذهولا إلى صديقه.. وقال له: “هل جننت؟؟ بقرة وسط المنزل؟!! ..
أقول لك أنّ زوجتي لم توافق على البقرة في الحديقة فتنصحني بإدخال البقرة وسط البيت مرّة واحدة؟؟؟!!!
هل تريد أن تتسبّب في طلاقي من زوجتي وأمّ أبنائي؟!!”..
فأجابه صديقه اليهودي بهدوء: “اسمع النصيحة وافعل ما أقوله لك.. قلت لك سابقا أنّني فعلت نفس الشيء.. وأنّني أحدّثك عن تجربة وخبرة.. وكن صارما وحازما”..
في المساء.. وبينما تنتظر الزوجة إيجاد الحلّ بمغادرة البقرة للمنزل.. فاجأها زوجها بأن أدخل البقرة لوسط البيت.. وقال أنّها ستعيش معهم في الدفء طوال الشتاء..!!
وفي الوقت الذي صُدمت فيه الزوجة وبدأت في خصامها له واحتجاجها.. أصرّ الرجل على موقفه وقال لها أنّ ذلك قراره.. وأنّه إن لم يعجبها فبإمكانها أن تفعل ما تريد.. أو تغادر المنزل لبيت والديها إن أرادت..!!!
في الصباح.. ترجّت الزوجة زوجها بأن يخرج البقرة إلى الحديقة.. وقالت له أنّ المكان الطبيعي لتربية البقر هو الاسطبل أو الحدائق وليس وسط المنازل..!! وتوعّدته بأنّه إن لم يرجع البقرة للحديقة.. فستذهب غاضبة إلى منزل والديها..!!!
في المساء كان الرجل يجلس مع صديقه سعيدا ليخبره كيف أنّ زوجته وبعد أن كانت تطالبه بعدم تربية البقرة في الحديقة.. أصبح كلّ همّها فقط هو أن يخرجها من وسط المنزل لا غير.. متخلّية عن طلبها الأول بإخراجها من الحديقة.. شاكرا صديقه على مساعدته وعلى الحلّ الذكي..
وتلك هي سياسة الصهاينة..!!!
فبعد أن كان مطلب وهدف العرب والفلسطينيّين هو تحرير فلسطين واسترجاع كلّ الأراضي المحتلّة.. وإعلان الدولة الفلسطينيّة من جديد وعاصمتها القدس.. تمادت إسرائيل في رفع السقف كلّ مرّة بفرض أمر واقع جديد.. واحتّلت على مرّ السنين أراضي إضافيّة جديدة.. حتّى انحصر طلب الفلسطينيين والعرب في الحصول على استقلال الأراضي الفلسطينية المحتلّة سنة 1967 وليس حتّى تلك المحتلّة ما قبل سنة 1948..
ثمّ أصبحوا ينادون بحلّ الدولتين.. بعد أن كانوا يطالبون بدولة واحدة هي فلسطين.. وعاصمتها القدس..
ثمّ وافقوا على مبدأ تقاسم مدينة القدس..
ثمّ أصبحوا يطالبون بجزء فقط من الأراضي المحتّلة سنة 1967 منزوعا منها المستوطنات التي تعمّدت إسرائيل زرعها طوال العقود المنقضية..
بل ورضوا بطلب دولة فلسطينيّة مشتّتة على بقايا من أرضين مفصولتين لا ترابط جغرافي بينهما.. هما الضفّة الغربيّة وقطاع غزة.. وتفصل بينهما أراضي إسرائيلية..!!!
واليوم.. وبعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتنسيق مع الحكومة الإسرائيلية.. بالتصعيد عبر الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.. أصبح مطلب الفلسطينيّين والعرب.. وشغلهم الشاغل.. هو مجرّد التراجع عن إعلان القدس عاصمة لاسرائيل وعدم نقل السفارة الأمريكيّة إليها..!!!

Exit mobile version