الأربعاء , 27 مايو 2020
الرئيسية / تدوينات تونسية / وحش الكورونا

وحش الكورونا

نور الدين الغيلوفي

يضيق المكان.. البيت وأركانه.. والغرف وجدرانها وزواياها.. واتّساعها وعمقها وارتفاعها.. وسقوفها وأرضياتها وزرابيها.. الأثاث وأنواعه.. الثياب وألوانها.. الكتب بفوضاها وانتظامها…

داخل البيت وحوله.. الحديقة وأشجارها وطلع نباتاتها تغنّي أهازيج الربيع.. ترجّع أناشيدها أغصان تطلّ عليها من دور الجوار.. ولا جوار.. حتّى عصافير الصباح أضربت منذ أيّام عن صداحها.. الصمت ينصب خيامه في كلّ مكان.. الكلام كالمال يشحّ.. يُفقد من أسواق التداول…

البيوت تحوّلت إلى أوكار للإختباء.. تغلي حياة العائلات بداخلها.. والشوارع فقدت غذاءها من أرجل السائرين ومن عجلات السيارات.. الفراغ يعوي في كلّ مكان.. كأنّها صافرات النهاية…

كلام قليل بين خائفين.. وسلام لا يكاد يُسمع.. وتعابير لا تكاد تعاد.. الأيادي تلوّح من بعيد كأنّها تبكي الألسنةَ المعقودة وتتدرّب على مراسيم التوديع… لا نجاة لسعد فقد هلك سعيد.. خروج عجِلٌ وعَوْدٌ في هرولة.. واحتجاب خلف أبواب موصدة لا طارق يطرقها.. والنفق لا نور يأذن بنهايته…

المكان والزمان كانا توأمين فافترقا كما لم يفعلا في الواقع والافتراض من قبل.. يتقلّص المكان ويفيض الزمان.. حركات معدودة محدودة بين جدران البيت تكاد تتكرّر في كل يوم.. المخاطَبون هم أنفسهم.. أهلك ثمّ أهلك ثمّ أهلك.. الأفعال فقدت مجراها الزماني فتقلّصت.. الأقوال معدودة محدودة كحبّاتٍ قليلة في وعاء مملوء ماءً…

الأقوال مقيَّدة تدور في حقول متقاربة.. الكورونا سيّدة التداول.. تهيمن على كل شيء.. الأسئلة موصولة بها والأخبار تدور حولها.. والأحاديث تجري معها…

الفيروس صار حكاية العالَم وقصّته التي لا تنتهي.. الأطبّاء يدقّقون وصفه بعيونهم النافذة وملاحظاتهم المتحفّزة.. يُجرون اختباراتهم وينوّعون تجاربهم.. وبقدر ما يفيض الوقت على غيرهم يضيق عندهم يرجون لو تمهلهم الأرض فتكفّ عن دورانها لتستأنفه عندما ينتهون من صنع لقاح للفيروس.. الوقت لديهم يمضي سريعا.. بينما يشيخ الناس في بيوتهم يعركهم الانتظار.. الموت يحصد نظائرهم تأتيهم بإحصائهم الشاشات…

قصّة لا أحد يعلم متى تنتهي.. مختبرات صامتة تشاهدها البشرية على الوسائط.. وبيوت صاخبة بأحاديث الفيروس.. أعداد المصابين.. وأعداد الموتى.. وقلّما يجري الحديث عن المتعافين من الإصابة…

الأفعال تتقلّص.. والأقوال تتآكل.. المشاعر تغوص في الأعماق.. يلتحف الناس بصمتهم ويفرّون إلى أجهزتهم يغرقون في عوالم الافتراض.. في الافتراض سعة.. ومنه سند لتدوير الأحاديث.. قد لا تجد بيتا له حديث غير حديث الكورونا…

تحوّلت الأرض إلى غاب موحش في أنحائه وحش غريب غامض يصول.. يفتك بمن فيه.. وصار الناس بها فرائس ترتعد فرائصها من الوحش الكاسر الذي لا تعرفه.. هذا المفترس لا يُرى ومسارب عبوره غير معروفة لتُجتنَب.. والفرائس لا تدري ميعاد فتكه فتتّقيه.. وحش مخيف لا تراه الفرائس ولكنّها تستنفر كلّ انفعالاتها لإبعاده…

الحياة تفوّت في حقولها ليستولي الموت على سنابلها يملأ بها بيدره.. وبيدر الموت لا يمتلىء..

ولا يشبع…

شاهد أيضاً

اقتلوا راشد الغنّوشي يخلُ لكم وجهُ عبير ولكم حِمل بعير

نور الدين الغيلوفي لك أن تقول في راشد الغنّوشي ما تشاء، فهو كغيره من الشخصيات …

تدريب على التأويل الحداثي وزير الصحة الخوانجي والشاطىء

نور الدين الغيلوفي (مقال أوّلُهُ جدٌّ وآخرُهُ هزلٌ) سفيان بن حميدة مثله مثل توفيق بن …