الأربعاء , 27 مايو 2020
الرئيسية / مقالات / كُورونا : تونس والمصير الجماعي…

كُورونا : تونس والمصير الجماعي…

سليم حكيمي

“شعب مضروب بالهيروشيما” هي عبارة شيخ حين رأى العَنَتَ في عدم الإلتزام بالحجر الصحّي، معتقدا أن “هيروشيما” إسم القنبلة التي ألقتها أمريكا على اليابان زمن الحرب العالمية الثانية، بينما هو إسم المدينة. نحن أشبه بحديث السفينة: “لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا”. كل الوعي الذي أشرفت عليه الدولة أخرج إنسانا لا يعوّل عليه في الشدائد. بل يستجيب لمجتمع المادة، تكون المظاهر فيه الحاسمة في تحديد قيمة الناس.

ليس دفاعا عن الدين بل عن دوره الوظيفي في التحفيز نقول: حين فُصلت الكنيسة عن الدولة في الغرب لم تكتف بالتعويل على نفسها بل سمحت بالتنظّم الذاتي للمجتمع رغم ان معركتها مع الدّين في التاريخ كانت دامية. كانت في مستوى المسؤولية ولم تجد نفسها يوما وجها لوجه مع الأزمة لأنها تدرك أن الإخفاق في النهاية سيحسب عليها وليس على المجتمع. ففسحت المجال لاستعداداته، وكان الوقف والتطوّع لبناء صروح العلم. ولكن مشكلة الدولة في تونس مركّبة:

  1. صراعها الانتحاري مع الدين أنهت به الدين والسياسة والوعي والأخلاق، ووضعت المجتمع في عراء الخصاصة حين إفلاس الدولة. إلغاء الوقف لم يقدم عليه حتى رمز العلمانية الصّلبة “أتاتورك” واعتبر أن لا علاقة له بالدين بل بتنمية مجتمع. واعترضتها عشرات مواطن الضعف الحاسمة التي لم ينقذها منها إلا المجتمع، ولكنها لم ترعو. بينما المجتمع قد يرى ما لا تراه الدولة من فقر، وهو أغنى منها حقيقة ولا يثق بها في العمق.
  2. لا تكتفي الدولة بعدم القيام بالواجب بل لها وهم الإنجاز. ويصل بها الهوان في الفراغ الذي تتركه في تقديم الخدمات أن تخلط دورها بدور المجتمع فتتحرك حسب المزاج أحيانا، وتلعب دور المتطوع، بينما يقوم عملها على الواجب ويقوم عمل المجتمع على التطوّع.

تتراءى أسئلة كثيرة أمام عجز الدولة: هل كان يمكن الاستفادة من صندوق الزكاة بل تقديمها عن موعدها للقادرين (3500-4000 مليار سنويا).. ؟، وتضيع فرصة ثانية على رموزه كما ضاعت فرصة النظافة رغم أنها لم تكن تكلف شيئا. كل ما نحتاجه خطاب ديني يحمل مضامين حية لم يعد يعني فيه الكلام ولا النصح بل المطلوب منه أن يكون في قلب الحياة والأزمة واحتياجات الناس. كل نبيّ واجه مشكلات عصره وتحمل مسؤولية قومه عن جدارة، وجاء لمشكلة في دنياهم ومن هنا وجب تحيين الدين ممّا يعني راهنيّة التوحيد. ما برح الإعلام الذي دمّر الوعي وأراد اليوم ان يستنجد به، يواصل استغلال الفرصة لتبييض الاستبداد خلسة، فيتحدث عن فقر تونس وليس عن تفقيرها (حوار مريم بالقاضي مع وزير الصحّة). علما أن %11 من التونسيين يملك كل ثروة البلاد الوطنية من برجوازية طفيلية غير وطنية كشفها الضعف الفادح للتبرعات وأنانية تصريحات “ماجول” رئيس اتحاد الصناعة وسط نخبة مسكونة بهاجس الصراع وليس الإبداع في الحلول وسؤالها: من المسؤول عن الأزمة وليس كيفية الخروج منها.

إن مجتمعات الأثرة ضد الإيثار” بأنماطها القديمة لم تعد مستجيبة للحياة الجماعية. والثقافة الفردية التي تعنى بنظرية الخلاص الفردي صارت منتهية الصلاحية. والوعي الذاتي لا قيمة له إذا لم يخرج من الهمس إلى الجهر ويصير ثقافة عامة مانعة ومنيعة. الأزمات ترفع الغطاء عن الهشاشة وتجعلها مكشوفة للجميع. وثبت أن المجتمعات يحفّزها الخوف وليس المنطق بل الخوف قادح المنطق. وهذا ما يعني ضرورة الدولة دوما. ولا بد أن تغيّر المجتمعات القادمة شرعية سلطتها، أي أن لا تنهض على القوة والمال فقط، ولكن على ثقافة التعاطف أساسا. أثبت التاريخ أن الأزمات تحفّز الشعوب. ففي سنة 1806، طلب “بونابرت” من الباحثين مادة يعوض حصار قصب السكر الذي فرضته انقلترا. فاستكشف “Benjamin Delessert” سنة 1810 استخراج السّكر من اللفت السُّكري لتصير فرنسا أول مصدّر له في العالم. لا تشرئب أعناق الناس اليوم الاّ ما سيسطره العلم حول لقاح الفيروس ومراكز الإستشراف حول مآلات الأزمة على الاقتصاد والمجتمع. حينها تدرك لمَ أقسم الله بالقلم “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ”. ورغم جهد الدولة، فإن تونس محتاجة إلى شخصيات تغادر المربع الحزبي الى الوطني، ودولة تحوّل وجهها قبلة العلم ومجتمع المعرفة، وإعلاء نماذج القدوة والتضحية والحفر في استعدادات المجتمع الخفية، (1500 رجل أعمال تونسي بالخارج أغنى من الدولة بمرّات حسب تصريح سفير تركيا بتونس “عمر دوغان” لصحيفة “الرأي العام”) وتدين إيثار وليس الأثرة، ودولة تثمّن المصلح وتعاقب المسيء، ولا تحوم حول الحقّ ولا ترد كثور الساقية، لانها الاعلم بوجود 7000 مليار منهوبة في شكل قروض لم يرجعها رجال أعمال منذ عهد المخلوع.

والا فسيكون الشعب مضروبا بـ”الهيروشيما” والدّولة… بـ”نكازاكي .

شاهد أيضاً

الزّكاة: “رابطة حقُوق الانسان” وواجب الحَجْر العَقْلي

سليم حكيمي يقول كَارل مَاركس “ليكون القمع أشدّ قمعا لابدّ ان نضيف اليه وعي القمع”. …

كورونا: وزارة الصحّة وحاوِي الأفاعي

سليم حكيمي بعد ان ضُربت عليهم الذِلّة بهزيمة “حْفِيتِر” ليبيا، عاد الحاوي الى جراب الافاعي …