الأربعاء , 27 مايو 2020
الرئيسية / مقالات / عيْنٌ على عَالَمِ مَا بعْد كُورُونـا

عيْنٌ على عَالَمِ مَا بعْد كُورُونـا

المنجي السعيدي

أيّام صعبة تمرّ بها بلادنا وسائر بلدان المعمورة جرّاء هجْمة شرِسة لكائن مجهْريٍّ أربك العالم وقوّض منظومات صحيّة عالية التطوّر وأدخل سكّان الأرض في حالة عجْزٍ وفزعٍ غير مسْبوقيْن وحصد من الأرواح عددا هائلا، استوى فيه الفقير بالغنيّ، ورجل الدّولة بالإنسان العادي، والطّبِيب بالمريض. ودخل العالم في دوّامة عجْزٍ ورعبٍ وبهْتةٍ، وقد كنّا لوقت قريب نشاهد في نخوة أفلاما تبعث فينا الثقة بأننا قادرون على مواجهة هجمات الكواكب المجاورة فيما يسمّى بحرْب النّجوم.

ولا يزال الأمر مرِيبا ولا تكشف الأيّام إلا عن مزيد من التعقِيدات ومزيد من الخسائر ومزِيدًا من العجْزِ ولا يزال الوضع يتطور نحْو مزيد التأزّم ولا أحد يعلم منْتهاه إلا الله تعالى ليقف الجميع متوجّسين من تداعيات خطيرة ستعْصِفُ بالعالم، فتتغيّر اسْتراتيجيّات وتنهار إقتصادات وتفلس شركات ويُعادُ نسْجُ علاقات دوليّة إن لم نقل أنّ دولا بأكملها يمكن أن تذهب إلى الزّوال وما قدْ ينْشُب فِي الأثناء من مفاجآت تهزُّ الاستقرار وتُحْدِثُ إنخِرامًا في العلاقات الدّولية والقانون المنظّم لها وقدْ تُؤدّي إلى الإجْهاز على ما بقي من السّلم العالمي بنشوب حرب كوْنيّة، أضفْ إلى ذلك التغْيِيرات المؤكدّة في المنظومة الفكريّة والفلسفيّة وتموْقع الإنسان في الكوْن بتغْيِير جذْرِيٍّ في رؤاه وسلوكه وعقائده.

كلّ هذا جرّاء كائن مجْهرِي لا يدْرِي أحد موقعه ممّا جعل الإنْسان يحْتاط منْ كلّ الأماكن، وقد انهارت أمامه قيم الجمال والعلاقات الحميميّة والمُتع البشريّة وظلّ كلّ شيء يهدّد وجوده حتى غدا في هسْتِيريا الفِرار # من أخيه وأمّه وأبِيه وصاحِبته وبنِيه # ولأوّل مرّة في تارِيخ العالم لا يجد الميّت من يُقْدم على دفنه خوْفًا من العدْوى. إنّه مشْهد قاتِم يوحِي بانهيار كلّ شيء وضعْفٍ كبِير في منسوب القيم سليلة الحداثة البالية والعولمة. هذا كلّه فجْأةً بعْد أن اطمأنّ الإنسان وظنّ أنّه يمْلِك زمام أمره ويتحكّم في مصيره ويهيْمن على الأرض كلّها وأنّه بسط قدْرته عليْها إن لم نقل أنّه بدأ يتحرّك للسيْطرة على الكونِ والاستيطان في كواكب أخرى في لحظة ازَّيَنت الأرض فيها وأخذت زخْرُفها.

وفي خضمّ البحث الماراتوني عن طرق التصدّي لهذا الكائن العدائي وتجنّد كلّ الدّول للبحث عن الدّواء النّاجع والنّجاة من هستيريا الموت، وفي نفس الوقت الذي تسود فيه نفسية الإنية المركزية “Egocentrisme” والهروب من المحيط المادي والبشري والهرولة إلى حالة الانعزال والضغط على دائرة التواصل إلى أضْيَقِ حدٍّ ممكن، فإنّه كذلك وفي إطار الأمل السّاكن دائما في فطرة الإنسان والرّغبة في الخلود ونبْذِ فكرة الفناء والموت فإنّه ومن البديهي أن تظلّ العيْن على المستقبل في إطار الاحتمالات الواردة وإعادة تشْكِيل العالم في مرحلة -ما بعد الكورونا- لا تأخذها سِنةٌ ولا غفْلةٌ، وهو ما يحصل فعْلا في دوائر بعض الدّول التي تستثمر في الأزمات بقدر استثمارها في الأوضاع العاديّة، فالصّين مثلا تنْكبّ بجدّية على البحْث عن آليّات التموقع في صدارة الاقتصاد العالمي وكيْفيّة التّحكّم فيه،وأحسب أن الأمريكان يبحثون بجدّية على التموْقع في العالم وفي دول سينهكها فيروس كورونا بعد أن فشلت التهديدات السياسية والعسكرية في إخضاعها، وستظهر في الأيام القريبة وبعد أن نتجاوز حالة المفاجأة والبهتة تحرّكات دول أوروبيّة منْ أجل السّباق المحموم نحو كسب ودّ بعض الدّول المارقة بشيء من الدّعم بالفتات الطبّي والدّواء…

فهل يسْتفِيق العالم العربي – الإسلامي من الغياب التّارِيخي ويوازي في المسارات بيْن مقاومته الوباء من ناحية و تقْييم السياسات الدّاخليّة وإعادة ترتِيب الأولويّات التنمويّة والتركيز على الثروة الدّاخليّة -بشريّة كانت أو طبيعية- من ناحية أخرى ؟
وهل يستثمر الفلاسفة والمفكّرون في هذه الأزمة منْ أجل رؤية أكثر عمْقًا للإنسان وعلاقته بالكون وإعلاء قِيمته وتجذير مقوّمات الحريّة والعدْل والجمال والسّعي إلى التخلّص منْ رواسب الإستعلاء الثّقافي الإستعماري الواهم الذي كرّس التبعيّة والتخلّف في أغْنى ربوع الأرض وأكثرها ثروات ؟
وهل سيعيد الإنسان ترتِيب أوراقه منْ أجل بناء ذات متوازنة في تعاملها مع ثنائيَّتَيْ الحياة والموت و الدّنيا والآخرة؟
وهلْ سيجد العقْل موقعه الصّحِيح بعْد أن تبيّن غيابه في التأسيس لحياة هادئة مطمئنة؟
وهل يمكن أن نتفاءل بأن لنا من المقوّمات ما يكفي للتموقع في صدارة العالم وفي مركز صناعة التّارِيخ بعْد أن تهاوتْ الأصنام التي تزعّمت لدهور الهيْمنة على الأرض ولكنّها ركعت صاغِرة أمام كائن مجْهريٍّ في حجم اللاشيء.
كلّ هذا يسْتوجِب أن تكون لنا عيْن على عالم ما بعد كورونا حتى لا يصبح بقاؤنا شبيهًا بالفناء.

طبرقة

شاهد أيضاً

التباعد الاجتماعي للخلاص من وباء كورونا المستجد فرصتنا الثمينة لإعادة بناء التقارب الاجتماعي على الشروط الأخلاقية

طارق العبيدي “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ …

خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى (14)

عزمي بشارة 1. بعد أن أيقن الإنسان في عزلته المنزلية أنه لا محالة خاسرٌ ربيع …