السبت , 28 مارس 2020
الرئيسية / تدوينات تونسية / في مدح الاستبداد !..

في مدح الاستبداد !..

علي المسعودي

لطالما شكّلت مواجهة الأوبئة الشرعية الأخلاقية الوحيدة لأنظمة الاستبداد. وإذا لم تستثمر هذه الأنظمة تلك الشرعية الأخلاقية من أجل تثبيت وجودها، فإن الوباء سيلتهم السلطة سريعا ويقضي على جنودها.
وسيبقى الصينيّ مُمْتَنًّا لنظامه السياسي لأمد طويل. لا لأنّه منحه كلّ هذا الرخاء الإقتصادي في زمن محدود، بل لأنّه حمى هذا الشعب الملياريّ من جائحة وبائية عجزت عن مواجهتها دول العالم مجتمعة !.
وأخشى أن يكون الفيروس التاجي قد خلع بانهزامه أمام الإرادة الصينية تيجانه على أنظمة حكم المستقبل إلى الأبد !.

•••

أما الأنظمة الديموقراطية فهي تعاني من مأزق أعمق. فالتصدّي بتقاعس لمثل هذه الحروب التي لا تعنيها في الجوهر جعلها عارية حتى من ورقة التوت، وكشف عجزها عن تحمّل مسؤوليتها الأخلاقية بعد أن نمت شجرة الفردانية والفردية بلا حدود في ظلالها.
مأساة الديموقراطية أنها لا تستطيع بناء مجتمع متضامن، وأن سيناريوهات الحروب داخل أرضها ليست من سيناريوهاتها !.

تونس مثال على بلد تجمعه العصا وتفرّقه طبول السياسة، بلد يحتضن أفرادا لم يرتقوا بعد إلى رتبة مجتمع. وهاهو اليوم يستجدي سلطة قاهرة لتدفع عنه الوباء ولا يجدها !.
ودلالة الانتشار العسكري من أجل فرض حجر صحي على البلاد أكثر إحباطا من انتشار الوباء ذاته. فهذا الشعب الذي لا يستشعر الخطر من عدوّ محدق كيف نسلّمه السلطة ونستأمنه عليها ؟. إن الحاجة إلى خروج الجيش من ثكناته تكاد تذهب بكل مشروعية “الثورة” ومبرّراتها.
لنعترف بأن الخوف هو غالبا ما يحكم سلوكنا الفردي. وفي غيابه يحلّ محلّه التهوّر. وكلاهما يجافي العقل… نحن لم نصل بعدُ إلى مرحلة الخوف. نحن في منطق التهوّر. وهو أخطر السلوكات في زمن الأوبئة والحروب.
حتى في الصين لا يرجع الانضباط للحجر الصحي إلى جينوم آسيوي مخصوص، بل إلى الخوف من السلطة، هذه السلطة التي تضع كل خمسة أفراد تحت عين كاميرا مراقبة !.
ويمكنك أن تقارن أيضا بين ملايين التونسيين الذين تقطّعت بهم سبل العيش بسبب الحظر وبين لجان الحزب الشيوعي الصيني التي تكفّلت بتوفير الطعام لكل فم.
قد يأتي اليوم الذي نقوم فيه بثورة ضد الدّياثة الديموقراطية من أجل استدعاء أنظمة على النمط الصيني !.

•••

دولة المجبى هي دولة عاجزة عن كل شيء إلا عن الجباية. وفكرة الدولة الرّاعية والمسؤولة أسقطها فيروس كورونا سقوطا مدوّيا. لقد اتّضح أنها تخلّت عن حماية رعاياها صحيا واجتماعيا ليس بسبب العجز، بل بسبب غياب الإرادة. أن يموت الناس في منازلهم بسبب المرض، وأن ينتشر الوباء عموديا وأفقيا، وتكتفي الدولة بالنصيحة والعدّ، فهذه استقالة معلنة لها ما بعدها.
للأسف تقتلنا الصراعات الايديولوجية كل يوم قبل أن تقتلنا الأوبئة. وغربان السياسة ليسوا أقلّ قسوة علينا من الفيروسات المتوّجة. من واجب أيّ دولة -مهما كانت طبيعة النظام- الاهتمام برعاياها. فهذا دفاع عن الوجود قبل الحدود. والإرهاب الصحي أعتى وأخطر من كل أنواع الإرهاب.
منذ الإصابة الأولى كان بإمكان الدولة إغلاق حدودها ومحاصرة العدوّ قبل التسلّل إلى داخل البلاد. كان بالإمكان الاستغناء عن هذه الفاتورة الاقتصادية الهائلة للحجر الصحي الكامل. وكان من السهل مراقبة آلاف الوافدين في محاجرهم بدلا من مراقبة ملايين المواطنين في منازلهم.

نحن في مستوى الدرجة صفر من سلطة الدولة. صياغة قرار أصبحت عملية مؤلمة وتأخذ كثيرا من الوقت. وفي نهاية المطاف تتخلّى الدولة عن قرارها. فلا رأي لِمَنْ لا يُطاع !.
اليوم، لو اجتمع مواطنان كريمان في ناصية الشارع بنيّة الاحتجاج فإن هذا كفيل بارتجاج عقل السلطة كلها. ستستنفر كلّ طاقاتها، وتطلق كلّ تحذيراتها… وفي النهاية تقرّر إرسال وفد للتفاوض !.
طبعا، نحن لا نتحدّث عن حالة أنور السكرافي مثلا. فالدولة تدّخر فحولتها فقط لمن يتجرّأ على عرّابها: سلطة رأس المال !.

شاهد أيضاً

كورونا: في تونس، عمال في الحجر الصحي في مصنع للأقنعة

لوبوان الدولية Le Point International الحجر الصحي، نعم… لكن في العمل: في مصنع تونسي، 150 …

هواجسُ جالسٍ في بيتِهِ

نضال السعيدي “في البيتِ أجلسُ لا حزينًا لا سعيدًا لا أنا أو لا أحَدْ ..”. …