الأربعاء , 27 مايو 2020
الرئيسية / مقالات / كورونا: حين نبّه “رُوجيه غَارُودي” إلى حضارة الموت الغربيّة

كورونا: حين نبّه “رُوجيه غَارُودي” إلى حضارة الموت الغربيّة

سليم حكيمي

إزاء فَجْأة الوباء في العالم وصعوبة دحره، صحّت حكمة منطقة الألزاس بان: “الامراض تاتي على ظهر الحصان وتغدو على ظهر السلحفاة”. وفي صراع الاقوياء وحضارة الموت التي تنبّأ لها الفيلسوف الفرنسي “روجيه غارودي” بتدمير العالم، لأنها “أنموذج مادّي لا إنساني، يحمل بذور فنائه، ولأنه صار هو المهيمن على الحضارة المعاصرة، بفعل العولمة، فإنه سيتسبب في انتحار كوكبنا”. حضارة نمت بقوت الفقراء لأنها “لا تفتقد الأساليب ولكن الغايات، وهو الوجه الخطر لأزمتها، أزمة المعنى”لا تصلح لتتقدّم العالم وكل ضحايا حروبها الدّنيئة من الأبرياء: قاتل النفس يمكن أن يدخل السجن، وقاتل 40 ألفا من شعبه تصله دعوة لحضور مؤتمر للسلام.

روجيه غارودي

وكل ما يدعى نظاما عالميا ليس الاّ الفوضى، كلّفت فيه النازية والفاشية والشيوعية عشرات ملايين القتلى بين الحرب العالمية الأولى والثانية التي تمت على أرض لا علاقة لها بالصراع. حديثا، صارت “خوصصة الحروب” تستجيش منهم في غزو العراق 160 ألف جندي في طريقة تخلص بها الغرب من الأعمال القذرة.. فقد أكّد الكاتب السوداني “محمود ممْداني” في كتابه: “المسلم الصالح والمسلم الطالح: أمريكا وصناعة الحرب الباردة وظهور الإرهاب” تسبّبها في قتل 10 ملايين مسلم بين حرب الخليج الأولى 1991 والثانية 2003. حضارة الإنتهاب لا تملك أرضية أخلاقية تعصمها من القتل والسحل، بل تُبقي على الضعف البنيوي والسيادي للدول وتضرب عليها ضِراء الأسد على فريسته. حضارة مصّاصي الدماء تقتل المجاعات فيها 50 مليون شخص في إحصاء سنة 1982 لهيئة الأمم المتحدة، وهو ما يساوي أضعاف قتلى هيروشيما وناكازاكي (200 ألف قتيل) كل بضعة أشهر.

في المقابل، خطأ النخب يتمثل في اعتبار الامبريالية منحصرا في الدول الرأسمالية الغربية فحسب. الشيوعيّة، وهي أقصى ما وصل إليه الفكر الغربي، رأى فيها غارودي “الاختيار الوحيد وبديلا للخروج من أزمة الرأسمالية” انتجت الاتحاد السوفياتي ثم روسيا الدولة الامبريالية بكل مواصفات النهب. إذ بلغ ضحايا حروبها 5 مليون نسمة منذ الغزو الروسي إلى أفغانستان ومعارك التمدد والحفاظ على وآخرها مساهمتها المباشرة في التدخل في ليبيا والقرم والقوقاز. روسيا دولة امبريالية في العمق بينما ارتكز يسار ارثوكسي محنط ان الامبريالية لا تمثلها إلا أمريكا، بينما هي نهج اقتصادي وليس نظاما سياسيا بعينه، بل كل من يمثل البنية التحتية للانتهاب ينطبق عليه النعت.. لم يكن الاعتناء الصيني والغربي بإفريقيا إلا لخلق أسواق للرأسمالية وربط نخبها والأطراف بالمركز الغربي. وقهر رأسمال إنتاجي، وفرض راس مال مالي مدمر للانتاج الوطني للشعوب إستجابة لشروط عولمة قوية وعاتية وجشعة. وكل ما قدمته حسب غارودي “لم يكن نموذجاً لتنمية الإنسان، بل كان نموذجاً لنهب الإنسان (غير الغربي) والهيمنة عليه وسحقه حضارياً”. الحضارت التي تربّت على صور المجاعات، وحولت بلدانا برمتها مجرد أسواق والناس أرقاما، ومارست هواية الإبادة “chasse à l’homme” قنص الإنسان في الادغال، لن يضيرها فيروس يفتك ببضع عشرات الآلاف في “لعبة الأمم” بتعبير “وايز كوبلاند” تخلط به أوراق السياسة والاقتصاد. هي الحضارة نفسها التي قالت “صدام وأبناؤه يجب أن يغادروا العراق في 48 ساعة” ثم تقاذفت في حروب الوكالة بجثث 600 ألف سوري وتشريد 12 مليون يهيمون في العراء، وعجزت عن بشّار. ليقول بعدها ترامب “نفط سوريا لنا”. كل هذا الغرب الموصول بالأرض المقطوع عن السماء، تهزمه الإرادة الوطنية المعتصم بالجهد والتنظم الشعبي الذاتي وفسح المجال لاستعدادات مجتمع قبل التفكير في تطلّعاته أصلا. لم تحسم الإنسانية معركتها مع الطبيعة، ولم يحسم العالم النامي أمره في علاقة الحاكم والمحكوم والدين والدولة، فظهرت دولة اقزاما على أكتاف عمالقة العالم كَلا ّعلى الحضارة.

المعرفة والأخلاق والوعي هي المحرّكات الحضارية لفرض وضع سيادي متأنّف وليس متزلفا. العلم فريضة “يرفع بيوتا لا عماد لها” والمعرفة سلطة واستكشاف الفيروس ولقاحه نتاج معرفة. العزيمة هي التي تعطي معنى للحركة وترسم حدودا جديدة للأوطان وتعطي معنى لكل ما يجاوزنا، وحتى في حالات الضعف لا يجب الاستسلام لعدم القدرة على الفعل والقوة على الوجود. الوقاية الذهنية من ترّهات إعلام هدم وعيا ثم صار يستنجد بها لأنه ظنّ -كدأبه في الجهل- بأن قوانين بناء الوعي تنطبق عليها قوانين الوباء، الفجئية. الشعوب حين التغيير والأزمات تحتاج إلى كل محرّكات الإقلاع والتجاوز وتفاجئها حدود الفردانية وأفاق الجماعة وروحها، وتتفاجأ بقدرتها على التجاوز كما حملت النّملة أضعاف وزنها في حركة استراتيجية تفهم دورة الزمان والأزمات فتدخر للشّتاء قمح الصيف في زمانه. وحين تستشعر الخطر تُنذر: “ايّها النمل ادخلوا مساكنكم” كما تفعل الشعوب حين داهمها فجأة الوباء. في دين غنيّ بالنصح يتعامل مع الصحة والمرض والجوهر والعرض، الفصل والوصل، الأصل والاستثناء بدرجة الوعي ذاتها… يقول نبيّه (ص) “لا يُورِد ممُرضُ على مُصحّ” و”فِرَّ من المجذوم فِرارك من الأسد” و”لا ضرَر ولا ضِرار”. الغرب المتقدم الذي يسبقنا بأحقاب مثاله لذاته… ما يحتاجه العالم حضارة تقودنا اخلاقها إلى الطريق السّليم. ولا سبيل الاّ بمزيد فهم العالم للتصرّف بالطريق القويم وتحويل وجهته الى معنى تحرر انساني. أمّ المعارك معارك الوعي وأعسر المهامّ تغيير الشّعوب… نحتاج دولة قوية ومجتمعا قويا، فلا تكفي قوة الدولة بل يجب أن يكون المجتمع قويا، ومن هنا وجبت عدم علمنته لأن في ذلك حرمان الوازع الدّيني من قدرته التأثيرية زمن الأزمات على الأقل.. ما انا على يقين منه أنه ستمر الازمة وسيعودون إلى إعلاء الجهل والحط من العلم، وفَرْض السّفلة ورفض العِلْية، لأن ميكانيزم إنتاج التفّاهة راسخ… “ما أكثر العبر وأقلّ الاعتبار”.

شاهد أيضاً

الزّكاة: “رابطة حقُوق الانسان” وواجب الحَجْر العَقْلي

سليم حكيمي يقول كَارل مَاركس “ليكون القمع أشدّ قمعا لابدّ ان نضيف اليه وعي القمع”. …

كورونا: وزارة الصحّة وحاوِي الأفاعي

سليم حكيمي بعد ان ضُربت عليهم الذِلّة بهزيمة “حْفِيتِر” ليبيا، عاد الحاوي الى جراب الافاعي …