الثلاثاء , 26 مايو 2020
الرئيسية / تدوينات تونسية / كورونا.. عطب في الإنسانية..

كورونا.. عطب في الإنسانية..

نور الدين الغيلوفي

وما الموتُ إلا سَارِقُ دَقَّ شَخْصُهُ … يَصُولُ بِلاَ كَفَّ وَيَسْعَى بلا رِجْلِ
-المتنبّي-

ليس أقرب من فيروس..
ولو في الصين…
وما تدري من أيّ الأرض يأتيك موتُكَ…
الصين في أقصى الشرق.. الشرق الأقصى.. هو أقصى لأنّه أبعد الأرض عن أوروبّا.. وعن الغرب عموما.. وعنّا.. وتعدّ عبارة “اطلبوا العلم ولو في الصين” شقيقة عبارة” اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”.. فإذا كان اللحد علامة على مبلغ عمر الإنسان فإنّ الصين علامة على منتهى المكان.. الصين معتَزَل من الأرض بعيد قد يوافق هوى النافين إذا طلبوا إبعاد المنفيّين…

ولكنّ الصين، هذه المرّة، لم تنتظر لتأتيَها البشرية تقطع إليها البحار والقفار تطلب منافع لها.. بل هي التي جاءت البشريةَ تحث الخطى إليها بفاجعة كونيّة يستوي فيها الشرق والغرب.. والشمال والجنوب.. والأغنياء والفقراء.. والدائنون والمدينون.. والكبار والصغار…

جاءتنا الصين بكورونا.. وكورونا هو الموت يتسلّل لا يُرى…
فيروس خفيّ يتسلّل إلى البدن يظلّ كامنا فيه يعالجه في صمت يجوس خلال البناء يحاول تقويضه قبل أن يعلن عن نفسه وتخرج المعركة إلى العلن.. وفي الأثناء تحصد ماكينة العدوى ما شاءت الحواسّ.. قد يخترق الفيروس البدن من لمسة حانية أو همسة دانية أو يخالط قبلة عاشقة أو يمازج وجبة شهيّة أو شربة ماء تسدّ غلّة صادٍ لا تنفع بعد ارتوائه ليت.. وقد تأتي به عطسة في الجوار عابرة أو آهة في الأنحاء غابرة…

تلك أشياء قادرة على تقويض الإنسان حيثما كان.. لا تحول دونها جيوش عظمى ولا ناطحات سحاب ولا مدائن الملائكة ولا أبراج الشياطين.. ولا البنوك الدائنة ولا الدول المغلوبة على أمرها.. الجميع أمام الفيروس الذي لا يُرى سواسية كأسنان المشط.. فهو لا يحتاج ما به يرى فروق بينهم.. ولقد اشتُبه بإصابة الرؤساء ووُضع الملوك في الحجر الصحّي.. واُصيب الوزراء والمستشارون.. كما لم يصابوا من قبلُ…

كرورنا فيروس عادل.. بل كأنّ به على الأعيان ثأرا فهو أرأف بالمسحوقين منه بساحقيهم.. هؤلاء المستضعَفون كلّ شيء يسحقهم ولا يحتاجون إلى كورونا لينالوا من الموت نصيبهم.. نصيبهم منه وافر من قبلُ ومن بعدُ حتّى يأتيَ الله باليقين…

كورونا يتكلم اللغات جميعها ولا تعجزه لغة.. يخترق الحدود كلّها ولا حاجة به إلى جواز.. لا بحار تحول دونه ولا فضاء يُعجزه ولا مكان بعيد عنه ولو كان في الأبعَدين.. ولو في الصين…
كورونا وباء كونيّ فوق الهويّات جميعها.. يتكلّم جميع اللغات ولا يتكلّم واحدة.. كأنّه قرّر نسخ كلّ الهويات ومزج جميع اللغات ليجعل من سطوته بصمة يسم بها الكافّة.. وكلّ سكّان الأرض من كافّته يغمرهم بريحه فإذا هم تنفّسوه قطعوا تذكرة إلى موت هو الدليل على هشاشة الإنسان لا استطاعة له ما دام الموت بعضه وشهيدا على هشاشته يسخر منه يتألّه في الأرض ويطاول السماء…
ويحصده فيروس لا يُرى…
وما الموت إلّا فيروس يعرف ميعاد حضوره بين يدي مَنْ لا علم له…

شاهد أيضاً

رمضان كوفيد… رمضان مفيد !

بشير العبيدي #رقصة_اليراع قلت اليوم في نفسي: غداً ينتهي شهر رمضان لهذا العام. فماذا عساي …

اقتلوا راشد الغنّوشي يخلُ لكم وجهُ عبير ولكم حِمل بعير

نور الدين الغيلوفي لك أن تقول في راشد الغنّوشي ما تشاء، فهو كغيره من الشخصيات …