الثلاثاء , 26 مايو 2020
الرئيسية / مقالات / استقالة عبد الحميد الجلاصي ما الذي تعنيه ؟

استقالة عبد الحميد الجلاصي ما الذي تعنيه ؟

نور الدين الغيلوفي

كتب القياديُّ البارز في حركة النهضة المهندس عبد الحميد الجلاصي رسالة مطوّلة عرض فيها السياق الذي تتنزل فيه استقالته من حزب حركة النهضة بعد مدّة من استقالة إداريّة كان أعلن عنها في وقت سابق…

الجلاصي من تلك القيادات النوعيّة في حركة النهضة.. مناضل كبير عنيد قدّم حياته ثمنا لفكرته وضحّى بكلّ شيء من أجل حركته التي كان من أبرز قياداتها الطالبيّة والتنفيذيّة بعد ذلك.. وكان له الفضل في بعث تنظيمها من العدم بعد المحنة الطويلة التي عرفتها الحركة طيلة حكم زين العابدين بن علي وحزبه التجمّع الدستوري الديمقراطيّ المنحلّ، إثر خروجه من السجن الذي قضّى به أكثر من 16 عاما.. وقد كتب جزءا من سيرته النضالية في كتابه حصاد الغياب…

ولا شكّ في أنّ نزول الفارس عن ظهر جواد اقترن اسمه به يُعدّ حدثا لافتا في عالَم السياسة.. حدثا سيستاء له أبناء النهضة وأنصارُها داخل البلاد وخارجها وسيفرح له خصوم النهضة وأعداؤها والذين يبحثون عن سقطاتها ويتمنّون فناءها خارج البلاد وداخلها.. ولكن لا أظنّ أنّ حزبا بحجم النهضة سيتلاشى لمجرّد استقالة قياديّ منه ولو كان هذا القياديّ هو زعيمه راشد الغنّوشي ذاته…

فكيف نفهم استقالة الرجل من حزبه بعد هذه التجربة الطويلة له معه؟

ليس للاستبداد مآثر تُذكر، إذ الاستبداد قرين الظلمِ والظلمُ شرّ مطلق، ولكنّنا نعرف أنّ من فعل الاستبداد أنّه قد يجمع معارضيه ليكونوا فريقا تؤلّف بين عناصره ضرورة التساند لدفع الصخرة عن الصدر.. ولذلك التساند وجهان: وجه داخلي بين مناضلي الحزب الواحد.. ووجه خارجي بين الأحزاب المختلفة وحتى تلك المتناقضة منها، كذاك التساند الذي حصل بين مكوّنات هيأة 18 أكتوبر التي جمعت بين ناشطين سياسيين متحزّبين ومستقلّين وحقوقيّين مختلفين معارضين لنظام بن علي سنة 2005…

الحرية هدف رفيعٌ طلبُه يستدعي أمرين: التعالي، ونبذ الفوارق الداعية إلى التنابذ داخل الأجسام وبينها..

وقد تلاحمت الأجزاء بينها داخل جسم حركة النهضة في عهدي بورقيبة وبن علي.. والتقى الفرقاء الذين ألّف الاستبداد بينهم وحملهم على الالتقاء على عهد ديمقراطيّ يتناسون معه تناقضات بينهم…

إنّ من أثر الاستبداد أنّه يضيّق على الناس الخناق حتّى يتلاحموا وتزول اختلافاتهم و يتناسوا تناقضاتهم ما دام الاستبدادُ قائما… الاستبداد وعاء مضغوط يحمل المتناقضات على التلاقي.. بل إنّ أنظمة الاستبداد، حتّى تحفظ بقاءها، تعمل على اختلاق معارك مفتعَلَة لا تنتهي ضدّ خصوم وهميّين تستنفر لها شعارات من قبيل “توحيد الجبهة الداخليّة” و”لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، فيكون توجيه النقد إليها أو الاعتراض على أدائها جريمة تخرج فاعلها من الملّة والوطن مرّة واحدة.. فلا تلكم المعارك تعرف لها نهاية ولا نظام الاستبداد يعمل على حسمها، ولا الجبهة الداخلية تعرف لها التحاما.. لذلك نلحظ أنّه كلّما سقط نظام مستبدّ في منطقة العرب نشبت في البلاد التي كان يحكمها صراعات بين الناس لا تنتهي سريعا.. وهذا الذي نراه من عراك بين الخصوم السياسيّين في تونس الثورة إنّما هو ميراث استبداديّ.. الاستبداد ضغط.. وكلّ ضغط مآله انفجار… أمّا الحرية فيها من السعة ما يجعل الأجسام تتمدّد فإذا ما تمدّدت لم تسعها الأوعية القديمة.. وفاضت عليها وظهرت تناقضاتُ بينِها التي ظلّت محتجبة طيلة زمن الاستبداد…

حركة النهضة وعاء قديم مثل غيره من الأوعية السياسية التي سبقته إلى التصدّع.. وليس بدعا أن يحصل لها ما حصل لغيرها.. وقبل الجلاصي استقال حمّادي الجبالي وانتفض عبد الفتّاح مورو.. ولن يقف الأمر عند هذا الحدّ بعد أن تحوّلت النهضة من حركة إسلاميّة تدّعي لنفسها مشروعا خاصّا بها تدفع من لحمها لأجل قناعاتها إلى حزب سياسيّ ينافس خصومه من أجل السلطة وتتنافس قياداته داخله من أجل التسيير.. والسلطة.. والمغانم…

إنّ من مزايا الحرية أنّها تسمح للأحياء بالتنفّس فإذا تنفسوا غادروا إكراهاتهم القديمة وخرجوا عن الحَجْر الذي عليهم وصار بوسع كلّ واحد منهم أن يكون عَلَمًا مفردا يرى من حقّه أن يكون بدوره زعيما.. وقد انسحب قادة ثانويّون، من أحزاب أخرى، من أحزابهم الأولى التي دخلوا معها إلى معترك السياسة لينشئوا لهم أحزابا خاصّة بهم بعد ذلك.. فمحمّد عبّو أمين عام التيار الديمقراطي كان، أمس، قياديا في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي أسّسه الرئيس الأسبق الدكتور منصف المرزوقي.. ونائبه محمّد الحامدي وزير التربية في حكومة الفخفاخ كان منتسبا إلى الحزب الديمقراطيّ التقدّميّ الذي أسّسه الأستاذ أحمد نجيب الشابيّ.. والناشط اليساريّ محمد الكيلاني، قبل أن يُحدث حزبه الذي يقوده الآن، كان هو الرجل الثاني في حزب العمال الشيوعي التونسي بعد حمّة الهمّامي.. ويوسف الشاهد كان قياديا في نداء تونس تحت رئاسة المرحوم الباجي قايد السبسي…

استقالة الجلاصي إذن ليست أمرا جديدا على الناشطين السياسيين الذي باتوا يضيقون بالأوعية التي تربّوا فيها وشبّوا عليها.. وربّما يواصل نشاطه خارج النهضة على رأس حزب جديد، كما فعل غيره، رفقة قيادات باتت تعتبر راشد الغنّوشي عبئا ثقيلا لم تعد تحتمله قائدا.. فراشد الغنوشي زعيم النهضة التاريخيّ لا يريد أن يُسلم المقود لغيره ما دام على قيد الحياة.. ويمكنك أن تلتمس لسلوكه عذرا فتقول إنّ شأنه شأن الزعماء الكبار يمارسون أبوّة مرَضيّة على أحزابهم وأتباعهم مثلما كان يفعل بورقيبة وغيره.. ويمكنك أن تقول عنه إنّه دكتاتور يمارس أبشع أنواع الدكتاتوريّات فيقتل منافسيه ويسحق من تسعى به قدمه إلى منازعته سلطانه.. ولقد صار بالنهضة رؤوس متعدّدة مختلفة أحيانا إلى حدّ التناقض.. وبات التعايش بينها أمرا مستحيلا…

قد يكون الغنّوشي كثير الأخطاء وغير ديمقراطيّ.. ولكنّ استقالة المهندس عبد الحميد الجلاصي ليست دفاعا عن الديمقراطية ولا احتجاجا على غياب التداول في التسيير داخل النهضة كما يقول.. للرجل أهدافه وغاياته قياديا لا يستطيع أن يرى نفسه في غير الصدارة ولم يعد يسعه أن يكون جنديا، مجرّد جنديّ، في مشروع ذهبت حياته فداءً له.. زمن الجنديّة ولّى والجنديّ صار جنرالا.. ولم يعد يرضى بأن يكون تابعا يسكن جلبابا لا يتّسع لطموحاته المشروعة له.. الجلاصي لم يعد يرى له بين صفوف حزبه مكانا.. فهو قياديّ كبير وسياسيّ محنّك ذكيّ ومهندس بارع.. جعل لنفسه اسما وصار من حقّه أن ينافس على قيادة حزبه.. وقد حاول أن يفتكّ له موقعا لا يخسر فيه “حصاد الغياب” بعد أن أمكن الحضور.. ولكنّ الريح أعتى منه.. سارت بغير ما يشتهي وما يستطيع..
لذلك أعلن استقالته..
ونفض يديه…

يبقى الرجل قامة فارعة قد لا يكون لها في البلاد نظير…

عسى أن يجد له مستقرّا ومتاعا يليق به…

شاهد أيضاً

تونس : قرطاج لن تحترق ثانية

نور الدين الختروشي نودع الشهر الكريم على طبول الحرب والتحارب والتهارج التي تدقها بحماس اطراف …

تدريب على التأويل الحداثي وزير الصحة الخوانجي والشاطىء

نور الدين الغيلوفي (مقال أوّلُهُ جدٌّ وآخرُهُ هزلٌ) سفيان بن حميدة مثله مثل توفيق بن …