الثلاثاء , 26 مايو 2020
الرئيسية / مقالات / النبيّ إلياس …

النبيّ إلياس …

علي المسعودي

وأخيرا ظهر إلياس، بعد ظنون شتى وكثير من اليأس !.
جاء إلياس، ليحكم بين الناس بالعدل والقسطاس !.
جاء إلياس، وفي مجيئه بشارة بنزول الغيث بعد طول احتباس !.
جاء إلياس ولولا الغربان الستّة التي أطعمته أصواتها تحت قبّة البرلمان لما انتهى إليه الحكم وساس !.
جاء إلياس مكلّلا بالغار، والنقطة زائدة والكاف جيم في بعض الأخبار، ملكا متوّجا على يدي مالك قرطاج، ونبيّا بين يديه معجزات في صفّ التحقّق والانتظار، منها القضاء على الفساد، وانتهاء السنوات التسعة العجاف، ليغاث الناس من بعد ذلك ويعمّ الخير في كل البلاد.
جاء النبي إلياس، ومن معجزاته إحياء الأموات. فالتكتّل قضى منذ سنين، وهاهو يعود، ببركته، للمجد والحياة !.
جاء إلياس.. فليحيا أنبياء هذه الأرض المقدّسة، وليحيا النوّاب والنائبات، والحركات والتيارات والكتل والائتلافات، ولتحيا فخامة المكاتب والمناصب، والجوازات الزرقاء في كل المنافذ… والموت للشعب منتحلا صفة السيادة وهو على طول المدى عَبْدٌ مداس !.

•••

خمسة أشهر مرّت والبلاد في حال من الترقّب. خمسة أشهر والأعناق مشرئبة مرة إلى القصبة أو إلى هضبة قرطاج، ومرات أخرى كثيرة إلى القصر الكبير للبايات..
ستظنون حتما أن السجال احتدم خلال هذه الأيام والليالي حول السبل المثلى لتحقيق وعود الانتخابات، أو من أجل استرجاع المنهوب من الثروات، أو لعله سجال يتصل بإخراج الدينار من دوّامة الانزلاقات، أو ربما توفير الدواء وتحصين المدارس حتى لا تسقط السقوف وتحرق المبيتات.. ستقسمون بلا شك أنه خلال هذه المدّة سالت كثير من العبرات من مآقي السادة النوّاب والنائبات وهم يتطارحون هموم هذا الشعب المحترق بنار الاحتياج والفقر، والمشويّ بجمر البطالة والقهر… ولكن هيهات !.

•••

لطالما أقسمت حركة النهضة أنها صائمة عن طعام القصبة متى فُرِض عليها تناول “المقرونة”، وهاهي تقسم اليوم أن تصوم عن الحكم، بدونها، حتى لو حملوها إليه زقفونه !.. كان القسم الأول عظيما، وكان الثاني غليظا.. لحق واوه كتاب الأمير !..
أما آل عبّو فقد وصفوا في البداية القلب بكل الفساد، ثم استنجدوا بآية الوزر والوازرة لحصر الاتهام في شخص نبيل، ثم حوّلوا التهمة إلى شبهة، وجعلوا من الكتلتين إخوانا في الله والبرلمان، ثم استعملوا “أريال” و “ديتول” وكل موادّ التنصيع والتنظيف.. حتى جمعوا الذئب مع الحمل وقالوا للشعب المسكين: لا تخش نبيلا أو شاهدا فنحن هنا الراعي الأمين !.
وأما عبير موسي، أو ايزابيلا، ملكة الشمال كما في كتب بني اسرائيل والتي تطوّر مفهومها للسياسة من كونها عرسا وزغاريد إلى كونها عراك بطحاء واعتصامات وتهديد، هذه التي تأكل الغلّة، وتسبّ الأب والجدّ والملّة.. تعبد الآلهة بعل، وتحملها معها في كل ترحال وحلّ.. فقد نجحت في ترذيل البرلمان أيّما ترذيل، وفي تتفيه الصراع السياسي بكل سبيل، بل وأهانت الثورة على مرأى ومسمع من عرّابيها ومن فصول الدستور.
وأما حمّة الهمامي، العين التي ترقب من بعيد، فلم يفقد ثقته بنفسه وبالشعب برغم كل ما كان.. وهاهو يدعو إلى انتخابات مبكّرة من جديد، ليفوز بقصب السبق بعد أن خانه الحظّ بالأمس القريب !.

•••

إن فاقد الشيء لا يعطيه، والكأس يفيض بما فيه.. كل ما علق بأذهاننا من انجازات هذا المجلس العتيد هو حرب الاستنزاف السياسي بين العياري والعلوي، واعتصام القبّة وحبل الغسيل، وسرعة انهيار التحالفات ثم قيامها من جديد.
لقد اكتشفنا خلال هذه الأشهر الخمسة أننا انتخبنا “ممثّلين” لا ممثّلين، وأن السادس من أكتوبر لم يكن عرس انتخابات، بل كاستينغ القناة الثانية لاختيار أبطال مسرح باردو العظيم، مسرح يراه البعض أشبه بتراجيديا كورناي فتفيض مدامعه حزنا على مآلات البلد، ويراه البعض أشبه بكوميديا موليير أو نوعا من المحاكاة الساخرة لمشاهد التسابب والتشاتم والتنابز والتغامز في الأنهج المعتمة لأحياء الجبل الأحمر والملاسين.

كان تعيين الياس الفخفاخ عقابا “رئاسيا” للشعب الذي صوّت وللأحزاب التي سرقت بالحيلة هذه الأصوات. وكان يستبطن أيضا نقدا لاذعا للنظام السياسي وللدستور الذي أنتج هذه العطالة في كل شيء: أنتم تدّعون أنكم لسان حال الشعب، وتضعون دستوركم في مقام المقدّس من الكتب ؟ انظروا إلى أين انتهى بكم الأمر ؟ تنكرتم جميعا لوعودكم، وكذبتم جميعا على أتباعكم، فأصبحتم لا تساوون شيئا أكثر من هذا الصفر الذي حصده الفخفاخ ذات موسم انتخابات !.. وهاهو يقود حكومتكم وأنتم له صاغرون.. ومن كذب على شعبه مرة لن يستطيع الكذب عليه مرة أخرى خلال أقل من بضعة شهور !.. فالذاكرة حبلها قصير، ولكن ليس أقصر من مسافة ما بين خريفين !.

•••

أما النبيّ فهو إلياس، وأما المسيح الثاني فهو الرئيس.. هكذا يتعلّق الشعب بالقشّة وما دونها.. وبكل التخاريف.. ولو كان يعقل لأمّم قصر باردو قبل آبار الغاز والبترول !..
ثمة أسطورة متوارثة في التاريخ السياسي البريطاني إلى اليوم، هي أسطورة الغربان الستّ لبرج لندن.. فهذه الغربان محاطة بنوع من التقديس. ويعتقد المخيال الشعبي أن دوام العرش مرتبط بدوام وجود هذه الغربان في البرج !.
أنا لا أدعو إلى إعدام غربان باردو.. فهذا استعجال سيء بالنسبة إلى أسطورة عمرها فقط عشر سنوات !.. المطلوب هو استبدالها بعصافير دورية حقيقية !.

شاهد أيضاً

نتوقع ان تنفض الشراكة بين النهضة والتيار والشعب

الحبيب بوعجيلة ومع ذلك نتوقع ان تنفض الشراكة قريبا بين النهضة والتيار والشعب تحليل وضع …

هل تريد أحزاب الائتلاف إسقاط حكومتهم ؟

الحبيب بوعجيلة انتشر في الأيام الأخيرة غضب غير مخفي من أداء حكومة الياس الفخفاخ على …