الثلاثاء , 26 مايو 2020
الرئيسية / مقالات / لم تعم الأبصار بل القلوب التي في الصدور

لم تعم الأبصار بل القلوب التي في الصدور

أبو يعرب المرزوقي

كل الشعوب تختار في الانتخابات من يمثل إرادتها وسيادتها بالاعتماد على أمرين يعرف بها الإنسان وتتحدد أهليته لنيابة الجماعة.

والقاعدة هي أن من فشل في حياته الشخصية وفي دوره كمواطن لا يمكن أن يكون أهلا لنيابة الجماعة لأن من يعجز دون القليل لن يستطيع ما الكثير:

  1. صفات المرشح وهي معرفية وخلقية مبنية على معرفة به من خلال ما يثبت المعرفة وما يثبت الأخلاق. ولا شيء يثبتهما غير ماضيه من لحظة بلوغه سن الرشد إلى يوم تقدمه للمهمة.
    ودليلهما مرحلة التحصيل في التكوين ومرحلة الإنجاز في التحقيق. ثم المساهمة الفعلية في شرطي قيام الجماعة أي العمل المنتج اقتصاديا وثقافيا ودوره الوطني كالخدمة الدفاعية وكل واجبات المواطن.
  2. صفات البرنامج الذي يعرضه المترشح للنيابة سواء كانت برلمانية أو رئاسية لأن الرئيس هو أيضا نائب هي التي نحددها في ما يلي. وكلاهما نائب الشعب كله والفرق هو صفة الناخب هل هو ممثل لدائرة من الوطن أم لكل الوطن.
    والبرنامج من أهمه تشخيص حال الأمة وتحديد العلاج وتحديد شروط قابليته للتحقيق وهي من جنسين هما الرزنامة المعقولة لتحديد مراحل الإنجاز والتمويل الثابت لسداد كلفته.

والاختيار في الانتخابات هو حصيلة الموازنة بين المرشحين بالمعيار الأول وبين البرامج بالمعيار الثاني مع تقديم المعيار الاول على الثاني ما يعني أنه ينبغي أن يكون وزنه أثقل في التقييم. لكن المعيارين متفاعلان:

  1. فالمعيار الأول يضمن الصدق والإخلاص ومن ثم فهو يحرر الثاني من الكذب والمبالغات التي تخادع الناخبين. ومن ثم فقابلية تصديق البرنامج تستمد بعدها الرمزي من المعيار الأول لأن وعد الحر دين.
  2. والمعيار الثاني يشهد على الصدق والأخلاص لأن المواطنين ليسوا غافلين عن حال الجماعة فيميزون بين التشخيص الصادق والتشخيص الكاذب والرزنامات المعقولة والرزنامات المزيفة وأخيرا التمويل الفعلي وبيع الأوهام.

لكن أصل هذه المبادئ الاربعة أي: 1. سيرة المرشح 2. وبرنامج المرشح 3. ودور الأول في الثاني 4. ودور الثاني في الأول 5. ترد أربعتها إلى أصل هو الذي يجعل الجماعة مسؤولة على ما يجري في أي انتخابات:

  1. فإذا كانت جماعة قائمة بواجبها وتعلم معنى كيفما تكونون يولى عليكم عملت هذه المبادئ فأنتجت الحكم الصالح والراشد ومن ثم الحكم الناجع.
  2. وإذا كانت جماعة متخلية عن واجبها وتختار ليس بهذا المعيار بل بمعيار المافيات التي تقودها قود الأنعام فهي المسؤولية على تردي أحوالها.

من يطبق هذه المعاني يعجب من شعب اختار رئيسا دون التأكد من وجود الشرط الأول مع التأكد من عدم وجود الشرط الثاني ومن ثم فهو لا يعلم الشرط الثالث ولا الشرط الرابع.
فينتج أنه قد أخل بما عليه أي لم يقم بواجبه فأصبح هو المسؤول عن كل ما سيحل بالجماعة بمقتضى المبدأ: كيفما تكونون يولى عليكم.

أما كذبة أنهم قد اضطروا لاختيار أقل الشرين فلا يصدقها عاقل: ذلك أن ما حصل هو أن الجميع شارك في شيطنة من يشبهه حتى يتظاهر بالشبه مع من يكذب على نفسه أنه قد وجده فيه: فأشبه شخص بالشعب التونسي على العموم هو القروي. لكن الشعب التونسي على العموم له عن نفسه صورة يتظاهر بها فخدع نفسه ولم يخدعه قيس.

الكل في هذه المسألة كانوا باطنية -كما وصف ابن خلدون- رُبِّي وحُكِم بالعنف والقهر أي من وصفهم ابن خلدون في الفصل 40 من باب المقدمة السادس حول التربية والحكم: فسدت فيهم معاني الإنسانية فصاروا مصدرا لكل ما يحل بهم من نكبات.

الشعب الذي يخدع نفسه لا يلوم إلا نفسه.
فلا يمكن أن أصدق أن الشباب اختار قيس لأنه نظيف أو لأنه صادق أو لأنه يعرفه أو لانه يكره الفساد الذي صار القروي رمزا له فأكثر من 99 في المائة منهم لو توفرت له الفرصة لكان مثل القروي وربما أفسد منه.

ولا يمكن أن يدعي المنتسبون إلى 220 حزبا في تونس أنهم يفعلون ذلك حبا في تونس أو وعيا بأهمية الدور السياسي للمواطن وإلا لكانوا اعتمدوا المعايير التي يعتمدها أي شعب يريد أن يكون حكمه صالحا وراشدا.
ولا أريد أن أضيف على ما قلت غير ما قلت.

شاهد أيضاً

غزاة تونس.. أوهامهم وأدواتهم

أبو يعرب المرزوقي من هم غزاة تونس؟ وما هي أدواتهم؟ ولماذا لم يعد لهم القدرة …

أسئلة محيرة.. هل نخب تونس السياسية راشدة ؟

أبو يعرب المرزوقي ملاحظة تمهيدية: هذا نص كتبته بتاريخ 2019.11.18 خلال محاولة الجملي تشكيل الحكومة …