السبت , 28 مارس 2020
الرئيسية / مقالات / أين ينتهي الدين… أين تبدأ السياسة ؟

أين ينتهي الدين… أين تبدأ السياسة ؟

نور الدين الختروشي

تونس الثورة وما بعدها (ج 24)

حاولنا في الحلقات السابقة أن نمسك بسؤال الهوية والجوهر، وحاولنا محاصرة الديني والسياسي في نقطة ضوء لاجتراح العنصر المكون للفاعلين الأساسيين في تشكل الجماعة السياسية رجل القيمة من جهة ورجل المصلحة من الجهة الاخرى.
يحمل الأول مشروع الخلاص الفردي والجماعي بمطلق حاجتنا للحرية والخلود ويحمل الثاني مشروع المصير العام بمطلق حاجتنا للأمن والعدالة. ولم تكن العلاقة بين المشروعين متكاملة على ما يفترض نظريا، بل كانت مناطق التقاطع على مسرح التاريخ هشة واحيانا متوترة حد التشنج المفتوح على التحارب والتنافي.

تستمد العلمانية مشروعيتها كآخر نسخة تقدمها العقلانية السياسية لتسطير حدود الفصل والوصل بين الديني والسياسي ومن قبلها بين الزمني والروحي ومن تحتها بين الذات والموضوع.
بالحاصل والمحصول فقد نجحت العقلانية الغربية في الاستقرار على فكرة بناء مجالا عاما غير طارد للدين ولا ضد الديانة.
زحزحة المتدين من الحيز السياسي الى الحيز المدني مسار ترتيبي وتاريخي معقد لإعادة نظم العلاقة بين الدين والسياسة، لم يحسم سؤال العلاقة فلسفيا ونظريا، ولكن نجح في اجتراح فكرة المجال “l’espace” لتسطير حدود التمايز بين مطلب المتدين الدائم في أن تكون السياسة أكبر من مجرد مشروع إدارة للوجود الاجتماعي، ونزوع السياسة المتجدد لتأميم الرمزي لصالح مطمحها في التحكم في المصير العام.

ما دشنته العلمنة مع فلسفة الأنوار هو تحديدا فسخها لتمثيلية المقدس في المجال السياسي ولبس حضور المقدس في السياسة.
فالسياسة إذا نظرنا إليها كمشروع تعايش اجتماعي في حاجة متجددة لترميز حضورها كدالة اخلاقية تتجاوز حاجة الجسد الاجتماعي للاستقرار والنمو والتقدم لتستغرق حاجة الدولة للميتافيزيقا أو لتحتيات قيمية ورمزية تتجدد عند لحظة تجدد شرعية الدولة.
ماركس عندما قال ان السياسة هي الشكل المدنس للدين كان ينبه إلى أن السلطة هي بالنهاية بنية ميتافيزيقية كامنة قبل أن تكون تمثيلا تاريخيا.
وربما سبينوزا هو من الهم نيتشه صرخته المعروفة “الاهي كيف تتركنا الفين عام من دون دين” عندما يؤكد أن الواقع اذا انحرف وانداح نحو الفوضى يخترع المخيال كرنافالا رمزيا غالبا ما يكون في شكل دين.

السياسة والدولة في حاجة متجددة لترميز مطلوبها التاريخي في صياغة مشروع الخير العام الآن وهنا. ولم يسجل التاريخ السياسي للأمم والشعوب قديما وحديثا قيام دولة من دون دين، فالاتحاد السوفياتي الذي نصّص دستوره على إلحاد الدولة انتهى إلى تحنيط لينين ليقف عند حد دين الفراعنة المتعلق بفكرة خلود الموتى.

خلاصاتنا من كل السابق، أن العلمنة التي تمثلها العقل كتسوية تاريخية متوازنة لإعادة ترتيب العلاقة بين الحيز الخاص والحيز العام وبين المجال الذاتي والمجال العام وبين الديني والسياسي، بالنتيجة والنهاية ليست إلا محاولة لفك خيوط التشابك بين استراتيجية المتدين في خلق عالم بريء يكتفي بمخزون الاخلاق لإدارة وجوده الاجتماعي، وبين استراتيجية السياسي الذي ما فتئ يؤكد أن عالم بدون سلطة ماثلة وممثلة، مجرد فكرة طريفة وعميقة، وليس حقيقة.
مسار اكتمال الدين في التاريخ هو نفسه مسار نفي للسياسة، واغتيال ناعم لفكرة الدولة. وبما أن الدين لا يكتمل في التاريخ، فإن السياسة ستستمر في إنتاج دينها الصغير” اذ تؤكد علي فكرة الخير العام كحد جاذب نحو الجوهر الميتافيزيقي للعبة الهيمنة والسلطة المكلفة بإدارتها.

لا ادري مدى السذاجة أو مدى الذكاء التي أوحت للإنسان أن يحول الخطأ إلى ذنب، وكيركيغارد عندما يعيد قراءة عنف مشهد التضحية باسماعيل ينبه أن المتدين ليس فقط فوق الأخلاق بل ضدها، وذلك بنزوعه المتجدد لتحويل الخطأ الى خطيئة ودفع الخطيئة الى حدود الذنب.
قبل سبينوزا جيوردانو برينو، وربما من وحي جنون اختراع فكرة الذنب اقترح اقتلاع الدين من المجال المعرفي، وحشره في زاوية الأخلاق.
ورغم محاولة اسبينوزا لإقناعنا أن سرديات الأنبياء لا يجب مقاربتها وتأويلها من زاوية الحقيقة، بل من لازمة الخضوع الطوعي المطلوبة للتعايش، فإن المتدين مازال يصر على فاعلية التسليم بمنظومة الإيمان كحد طارد لمنزعنا الغريزي نحو القسوة وكحد جاذب لفطرتنا نحو الرحمة.
على قاعدة اخلاقية صلبة يفصل ويقابل برجسون بين نمطين من الدين، الدين المتجمد الذي يحيل على المجتمعات المغلقة، والدين المتحرك او الديناميكي الذي يحيل على المجتمع المفتوح واذ يعتبر الايمان خطأ جميلا، ينبه الى القوة الرمزية الرهيبة للدين في قمع نوازع البشر الطبيعية للظلم والتظالم.
التأويل الاجتماعي للدين ولفكرة الإيمان ممكنا عند حد الأخلاق، وممكنا عند حد المصلحة أيضا، فاستدعاء البعد الأفقي للمجتمعات اليوم يحيل على ما يسميه ماكس فيبير “بجماعات المشاعر” “communauté émotionnelle” ودورها في لحم الرابط الاجتماعي أو الوطني بقيم أعمق من العقد الاجتماعي.

فالدين ليس منظومة قيم متعالية فقط بل هو أساسا رابطة شعورية مركوزة في نسيج المجتمعات تنتبه السياسة زمن الحروب والأزمات لدورها الوظيفي العميق في الحفاظ على الوجود الاجتماعي والتاريخي.
تتساند في عالم ما بعد الحداثة قيم العقل والدين في تجميع شتات الروح والجسد وما فكرة الوصل والفصل بين الديني والسياسي سوى تسوية تاريخية مفتوحة على الصراع والتنافي كما هي مشرعة على التعايش والتكامل وأحسب أننا محاولات المتدين للجمع بين السلطة على الروح والسلطة على الجسد قد وصلت الى نهايات الطريق تماما كما منزع السياسة لتأميم الفضاء الحميمي والحاقه بالمجال الاجتماعي تعيش آخر فصولها التاريخية واية تسوية جديدة لعلاقة الدين بالسياسة لن تخرج عن إطار تحسين شرط تموقع الإيمان في عالم العقل من جهة وتسليم العقل بالحد الابستمولوجي بين مطلق القيمة (الدين) ونسبية الاتيقا (السياسة) من جهة أخرى.
الذنب في قاموس المتدين يتحول الى خطأ في قاموس السياسي، تمحوه التوبة بالإيمان، أو تعالجه العدالة بالقانون، في الحالتين ننسى قصة الفصل والوصل، ونستحضر سردية إعادة توزيع المواقع والأدوار بين استراتيجية تأنيس مزدوجة تتبادل فيها الأدوار السياسة والدين من اجل عالم اكثر طمأنينة بمطمح المتدين، واكثر انتاجا بمطمح السياسي…
مازال الحوار مفتوحا، ويخطئ من يعتقد أن العلمنة واللائكية هي نهايات التفكير في صداع العلاقة بين الديني والسياسي فالإنسان بالنهاية كائن ديني بقدر ما هو كائن اجتماعي.

الرأي العام

شاهد أيضاً

كورونا وحاجة الدولة إلى الدين

نور الدين الختروشي لم تتأخر تونس عن جيرانها في الضفة الشمالية لتلتحق متثاقلة بزمن الوباء …

قيس سعيد : أنا الرئيس

نور الدين الختروشي لا يمكن فهم اسراع الشاهد بزيارة الرئيس يوم طرح ناشطون إمكانية سحب …