الإثنين , 17 فبراير 2020
الرئيسية / مقالات / السنة والشيعة – إيران والعرب: هذه شهادتي

السنة والشيعة – إيران والعرب: هذه شهادتي

علي بن مكشر

• قد أكون من القلّة الذين كانت لهم اهتمامات مبكرة واحتكاكات مع “المدّ الشيعي في المنطقة”، ففي سن الرابعة عشر من عمري، كنت أتلقى في قريتي النائية، في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم إصدارين إيرانيين باللغة العربية وهما “سروش” و “كيهان العربي”. لم تكن الثورة الإيرانية حينها، إلا ملهما لشعوب الأمة وإحياء تطلعاتها للمجد الغابر، وأنه بالإمكان كسر الطوق المفروض عليها كما فعل الإيرانيون. كان التأثر سياسيا لا غير، فقد حاول بعض المتحولين مذهبيا التأثير عليّ دون جدوى.

ثم كانت لي حظوة التردد على الحوزة الزينبية في دمشق، في منطقة الست زينب، التي وبفضل السياحة الإيرانية والعراقية فيما بعد، تحولت من قرية قاحلة على أطراف الغوطة، إلى مركز تجاري وسياحي باهر. كنت صغير السن آنذاك، أرافق المرحوم المولع بالفكر والفلسفة والثقافة “مختار كردي”، فكانت الزيارة تتخللها لقاءات مع قادة من تيار حزب الدعوة العراقي، وكنّا نهتم بالفكر فنرجع بأكياس من كتب الفقه الجعفري الاثنا عشري، والفكر، لأشهر الكتاب حينذاك كمرتضى مطهري وباقر الصدر والخميني في العرفانيات. ثم تعرفنا على بعض المشايخ الشيعة فكان بيننا جدال في حدود الاحترام والأدب. كما أذكر أننا في سنين متأخرة بداية التسعينات، وبعد وفاة المرحوم المختار كردي، ومع شباب آخرين، كنّا على علاقة متينة بحجة الاسلام العراقي السيد الركابي “سمعت أنه تسنن في ما بعد خلال إقامته في أمريكا الشمالية”- وقد كان لنا معه مشروع ثقافي، لم يرَ النور، ويبدو أن نظام الأسد وقتها، كان يتعامل بحذر مع من كان على خلاف مع إيران من شيعة العراق، لذلك لم تَرَ جريدتنا النور حينذاك. ثُمّ قدر لي أن أعيش مرحلة من النفي في افريقيا الغربية، وكان معظم المقيمين هناك، من الشيعة العرب اللبنانيين، وقد كنت أغلب السنوات عاملا عندهم، أو معهم في مصانعهم، وباعتبار أن غالبيتهم كغالبية الأمة “الدين والثقافة آخر همهم”، فكانت تجري بيننا بعض المناكفات الأقرب إلى المزاح، ولم يكن بيننا أي تَكاَره حقيقي، ولا تنافر، بل كانت العلاقة ودية أخوية، إلا أن يحدث ما يحدث بين الإخوة، من خلاف حول المال والعمل والدنيا.

• ثم انتقلت إلى أوروبا، ففي حين يتصارع القوم عندنا باسم الدين والمذهب، وجدت العراقيين يتزاورون فيما بينهم سنة وشيعة، دون أي حزازات وتعصب أو انفصام. بل أستطيع القول أنهم على تعدد مذاهبهم وقومياتهم أكثر التحاما من الجاليات المغاربية، باستثناء أهل المغرب الأقصى. وعليه خرجت بالخلاصة التالية:

• إن الصراع المذهبي في المنطقة العربية -بعد أن عاشت قرونا من التعدد في سلام أغلب الأحيان- تُغذيه الأجندات السياسية وصراع النفوذ، فإيران ركبت التشيع، للسيطرة وامتداد النفوذ لا غير، والدليل أن بعض الشيعة من مواطنيها في الأهواز العربية، يعاملون كمواطنين درجة ثانية، والسعودية الأكثر قذارة منها، غذت التطرف عند جماعات من السنة، ليصطدم المسلمون ونرى ما عشناه ونعيشه من تفتت وتمزق -وأذكر مع الأسف، عندما كنت أفاخر مثقفا أوروبيا حاول أن يُمرر لي أنهم أهل التعدد والديمقراطية، فرددت عليه: هل زرت سورية والعراق ولبنان؟ قال: لا، قلت؛ نحن أهل التعدد يا هذا، فهناك في قلب دار الخلافة، كان النصراني واليهوديّ واليزيدي وحتى عبدة الشيطان، يعيشون بسلام مع المسلمين، ورغم غلبة المكون السني على المشهد، كانت جميع الطوائف تعيش جنبا الى جنب، دون أي تصادم، هذا فضلا عن التعدد المذهبي داخل الإسلام ذاته. أما اوروبا ورغم الحروب الكثيرة والتوافقات الداخلية، فلم تحتمل المختلف عنها، فهي من محرقة لمحرقة حتى يومنا هذا “أقصد تسخين اليمين المتطرف لمحرقة المسلمين”. قلت مع الاسف، لان الزمن لم يمض كثيرا، حتى رأيت التنافي والتقاتل، أدى بأبناء تلك المنطقة بطوائفهم- يزيديون وصابئة ومسيحيون وسنة وشيعة، فارين من بلدانهم، يطلبون الحماية من أوروبا، من بعضهم بعضا.. كما أود القول، أنني ربما أكون من أكثر من عاشر الشيعة، ولم أتشيع، فالتهويل من المد الشيعي، برأيي يدخل في إطار الأجندات السياسية ولا علاقة له بالدين كدين. واعرف أيضا أن كثيرين من المتحمسين، سيكونون وقودا لمعارك غيرهم سواء في هذا الطرف أو ذاك.

• الاختلاف بين الأمة موجود ولن ينتهي، وربما يزيد خاصة في تأويل النص الديني، لكن هذا يجب أن لا يتجاوز الصراع العلمي، والأكاديمي مع الحفاظ على أخلاق الإسلام في حدها الأدنى. أعلم أن كلامي سيصدم الكثيرين، ولكن تلك قناعتي، والحمد لله ان استفاق الشعب العراقي، وأصبح في الساحات موحدا ولا يجرؤ أحد أن يطرح السؤال: هل أنت سني أم شيعي..

• السؤال المركزي: لماذا نحن متخلفون؟ فقراء؟ بلا دواء ولا غذاء ولا إدارة محترمة. دعوا الناس تعبد ربها بقناعاتها، وجادلهم بالتي هي أحسن، وانهضوا للحضارة… المسائل العلمية دعوها عند اَهلها من الراسخين في العلم، وانتبهوا إلى البوصلات الخاطئة.

والسلام

شاهد أيضاً

جِبالٌ من رِمَال (1)

علي بن مكشر ⁃ أتحدثني بكل جد ؟ ⁃ نعم، ولقد قررت الرحيل، فهذه سنتي …

عماد الدايمي اختار الهجوم على الدابة السوداء

علي بن مكشر عماد الدايمي : الفارس الأخير : لستُ ممن يحبون المدح للأحياء، ولكنَّ …