الإثنين , 17 فبراير 2020
الرئيسية / تدوينات تونسية / هوفمان.. من الرقص إلى المئذنة !

هوفمان.. من الرقص إلى المئذنة !

محمد طلبة رضوان

الأغبياء وحدهم من لا يغيّرون أفكارهم. هكذا يقول مثل فرنسي، فالعقول الذكية دائمة النقد، والمراجعة، والتحرّي. تغيير الأفكار صعب، تغيير الأديان أصعب، التحول من دين إلى آخر يعني مواجهة العالم، الذات، الذكريات، الولاءات الأولى، الأهل، الأصدقاء، المحيط الاجتماعي كله. وعلى الرغم من ذلك، يفعلها أفراد استثنائيون، مراد هوفمان واحد من هؤلاء.

دبلوماسي ألماني، عمل سفيرا لبلاده في الجزائر والمغرب. يقرأ، يتأمل، يراقب الناس، يحب الفنون. لم يمنعه عمله السياسي من الاهتمام بالفنون التشكيلية، الجمال الساكن. يتذوق، ويتمثل، وينتقل إلى فن آخر، يستهويه رقص الباليه، يشاهده، ويقرأ عنه، ويكتب، ويتخصّص، ويصبح واحدًا من أهم نقّاده. تمرض زوجته، تنزف. هو الآن في الجزائر، يستقل تاكسي ويجري بها، تشعر أنها ستفقد الوعي فتخبره بفصيلة دمها، يسمعها السائق فيقول إنها فصيلة دمه نفسها، ويعرض المساعدة بالتبرّع بالدم. جزائري مسلم يبذل دماءه لامرأة على غير دينه وجنسه. يعبّر الرجل ببساطته وشهامته عن فهمه لدينه، وانحيازه لقيمة المساعدة، وتفريقه بين الغربي الذي يحتل بلاده والغربي الذي يركب سيارته ويحتاج مساعدته، “ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى”. يتوقف هوفمان أمام روعة الموقف، كما سيتوقف مستقبلًا أمام روعة الآية الكريمة.

هل يعلن هوفمان إسلامه؟ لا طبعا. هوفمان أوروبي، تربى على النقد لا التسليم. الإيمان ليس موقفًا عاطفيًا، كما صوّره بعض الكتاب العرب. ولكن يلفته موقف السائق إلى جانبٍ لم تخبره به الدعاية الغربية عن المسلمين، فيبدأ في بناء تصوّره الخاص من خلال تجربته ومشاهداته، يراقب فنون المسلمين، مآذنهم وقبابهم، وقصورهم. ويرى أنه لا يمكن لهذه الفنون الراقية أن تصدُر إلا عن تصوّرٍ راقٍ للحياة والكون. ومن بوابة الفن يقترب أكثر من المسلمين ودينهم. يدرس الإسلام، لم يقرأ المتون والحواشي كما يفعلون في معاهدنا الدينية البائسة، قرأ القرآن، وبعدها ترجمه. قرأ النبي، تاريخه ومواقفه ومدى اتساق سلوكه مع أفكاره. وجد في الإسلام أبسط صورة عن الإله والإنسان والكون، كما يقول بعد ذلك، بعد دراسة وجهدٍ طويليْن، أسلم، وبدأ بالكتابة عن الإسلام، وله. يأسره في الإسلام كل ما يؤمن المسلمون، اليوم، بضده، يتلقّى هوفمان عن السماء، فيما يستخرج المسلمون دينهم، اليوم، من باطن الأرض، يستخرجونه مع النفط. الفارق أن الأخير قابل للتصدير.

يقول هوفمان إنه كسب محمدا ولم يخسر المسيح. يلفت إلى أن الإسلام، ربما وحده، يؤمن بالرسالات من قبله، ولا يدّعي أنه عبقرية على غير مثال، بل هو دين مكمل ومتمم لسابقيه، ويدعو الشباب أن يعيدوا اعتناق دينهم، فلا يكفي أن يرثوه، عليهم أن يمتلكوه، يعيدوا فهمه وتأويله وإنزاله على واقعهم.
يعلن هوفمان إسلامه، ويثير ضجة كبيرة، خاصة في بلاده، ألمانيا، وجدلا لا ينتهي، عن تغييره معتقده، نظرا لحساسية المناصب التي شغلها. يتلقى دعوة للحجّ، يذهب. ملابس الإحرام تشعره أنه في آخرته لا دنياه. فرد عادي، لا فرق يميزه عن غيره، لا لغة ولا جنس ولا ثقافة. حركة الجموع الدائرية، مثل أسطوانة، تدور حول مركز، عكس عقارب الساعات. سحر، هكذا رأى الطواف، يتأمل ألوان الناس، الأبيض والأسود والأحمر، أجناسهم، اختلاف ألسنتهم ويفهم معنى جديدًا للحج، وللإسلام معًا، ويكتب عن رحلته إلى مكّة كتابًا ممتعًا في فلسفة الحج، ثم يكتب عن الإسلام بديلا، يراه دين المستقبل، لو أحسنّا فهمه، كما هو، يبشّر به، يقارنه بالأديان والفلسفات الأخرى، يراه الأنسب لأوروبا، لوطنه، وثقافته التي لم ينفصل عنها. يكتب “مستقبل الإسلام بين الغرب والشرق”. لا يتوقف عن البحث والكتابة والإضافة إلى المكتبة الإسلامية. واليوم يرحل في هدوء، رقصته الأخيرة، إلى سماوات اليقين، له الرحمة والمغفرة، ولمحبيه العزاء، ولكتبه مزيدٌ من القراءة والاهتمام، كما أتمنّى، والنقد والمراجعة، كما كان يفعل ويتمنّى من غيره أن يفعل.

العربي الجديد