الخميس , 17 أكتوبر 2019
الرئيسية / مقالات / لماذا خسرت النهضة الانتخابات الرئاسية

لماذا خسرت النهضة الانتخابات الرئاسية

مهدي مبروك

العوامل الذاتية
تنويه:
هذا المقال هو حلقة من سلسلة مقالات قادمة سأنشرها تباعا لفهم هذا الذي حدث وشكل “صدمة” ذات 15 سبتمبر 2019

يبدو السلوك الانتخابي من أعسر الظواهر تحليلا خصوصا في بلد لم يراكم تجربة حرة للانتخابات ولم ينجز من بحوث الظاهرة الانتخابية الا قليلا. ولذلك سأسعى الى اغفال متعمد لسوك الناخب مركزا، على خلاف ذلك، على آداء الأحزاب وصورتها وهي تتقدم الى الانتخابات، اذ يميل العديد من الخبراء والمختصين في السلوك الانتخابي الى اعتبار تلك العوامل حاسمة في القرار الانتخابي واذ اغفلنا عمدا كما ذكرت الناخب والسياق العام فهو اغفال بيداغوجي تجنبا لتعويم التحليل الذي يكرر خرفا بان هناك “عوامل سياسية وثقافية واقتصادية واستراتيجية” أدت الى تلك النتيجة الانتخابية”.. هذا التفسير على شموليته يعوم القرار الانتخابي ولا يقدم مفاتيح لفهمه.

تركيزي على الفاعل السياسي وغض الطرف ولو مؤقتا عن سلوك الناخب مهم في هذه اللحظة التاريخية الحرجة التي يمر بها البلد وهو تركيز مقصود علنا نساهم مع غيرنا في إعادة ثقافة النقد وتحمل المسؤولية اذ لا شك لدي أن النتيجة التي أباحث بها صناديق الاقتراع تتحملها الأحزاب (حكما ومعارضة) والنخب السياسية عموما.
لقد كانت النتيجة مخيبة للنهضة (ولغيرها) حتى وان قدمت تبريرات أحيانا ساذجة تابعتها على عديد صفحات قيادات الصف الأول من الحركة دون الاشارة طبعا الى ما ينشره مناصريها على صفحات التواصل الاجتماعي وهي عموما مندرجة في خطاب يسعى الى التخفيف من وطأة الزلزال الحاصل على البلد وعليها.
فكيف نفهم الخسارة التي منيت بها النهضة من خلال عدم مرور مرشحها الاستاذ عبد الفتاح مورو الى الدور الثاني ؟ عن هذا السؤال سأقدم جملة من العوامل التي في اعتقادي كانت حاسمة في علاقة طبعا بالعوامل الداخلية المرتبطة بالنهضة كما اشرت في بداية المقال.

منذ سنة 2014 ظلت منزلة النهضة في الحكم منزلة غامضة حيث بعد تجارب من المشاركة التي تراوح حجم تمثيليتها في الحكم لا يفهم الناس ان كانت النهضة تحكم ام لا تحكم والأكيد ان هذا الحضور الملتبس الذي طال أدى الى الملل من النهضة التي تحكم حتى وان لم تحكم من خلال حضورها المكثف في دوائر الحكم (الوزراء بالحكومة، الكتلة الأكبر في السنة الأخيرة من عمر مجلس النواب…). لقد حصلت قناعة راسخة لدى فئات واسعة ان النهضة تحكم لذلك فان العقاب شملها ولم يستثنها من ذلك صعود مورو في الأسابيع الأخيرة الى رئاسة مجلس النواب زاد هذه القناعة رسوخا ولن اشير الى ما يعتبره العديد من الشباب المحتج وغير المنتظم حزبيا ان النهضة تنكرت الى اشواقه وتطلعاته في العدل والحرية والعدالة وهي التي قبلت بالمصالحة والاقتراب من النظام القديم ومدته بطوق النجاة في أكثر من مرة. فاذا كان اليسار هو الذي اعترف بشرعية ميلاد النداء فان النهضة هي التي رعته وأرضعته. قطعت النهضة مع مخيم الثائرين والمحتجين ولم تفلح في تحقيق اختراق واسع في المخيم المقابل: اذ ظلت عندهم غير حداثية، تقليدية بل مخيفة وراينا هذا في الخطاب الذي وصل الابتزاز في مناسبات عديدة واثناء الحملة الانتخابية حتى لو كان ذلك من باب الدعاية العارضة… لم يكن بالإمكان ان تعود النهضة الى مخيم الثائرين حين استنجدت في الايام الأخيرة بمعجم الثورة… لقد فات الأوان..

لم تنجز الحركة رؤية استراتيجية تخوض بها الحملة الانتخابية وظلت مترددة خصوصا وانها الى حد السنة الفارطة قد راهنت على الشاهد وعملت على إنجاح هذا السيناريو وضحت بعلاقتها بالمرحوم الباجي حين استماتت في الدفاع عنه على أمل ان يعبرا انتخابات 2019 معا… لم يقنع هذا التوجه الجميع بل وظل بدوره محل خلاف غير انه تم فرضه والمرور بها كأمر واقع… ثم تبعته رحلة البحث عن العصفور النادر الذي ذبذب على النهضة وعلى أنصارها البوصلة حتى يتم لاحقا التخلي عن هذه المبادرة حين تم “التفطن” الى الأستاذ مورو وكان ذلك مما عكر المزاج الداخلي… لم يكن مورو الا بضاعة مستهلكة وممجوجة أحيانا من خلال حضوره الإعلامي الروتيني الذي تغلب عليه كليشيهيات “الدعابة” في حين كان الناس يبحثون عن جديد حتى ولو كان “غريبا” (قيس سعيد الغامض والقروي المريب الملتبس…) لم تتفطن النهضة الى رغبة جامحة في رؤية عرض انتخابي جديد ووجوه جديدة حتى ولو كانت مغامرة. مزاج شبابي خصوصا يبحث عن القصووي…

كانت قراءة النهضة لانتصارها في الانتخابات البلدية 2018 قراءة كسولة وهي التي تعامت غرورا عن نصف الدرس أي تنامي ظاهرة المستقلين وتنامي نزوع المزاج الانتخابي الى البحث عن ممثلين غير منتمين الى “النومونكلاتورا الحزبية”. كان لك إنذارا مبكرا تم كتم صوته وطمسه تحت قراءة سعيدة مكتفية بذاتها، لقد عمق ذلك كسل النهضة الفكري والسياسي غفل الحس الاستراتيجي للنهضة عن هذه النزوات الانتخابية المتنامية ولم ينتيه الى ان تحت الأرض الصلبة زلزال قادم… نمى في احشاء انتصار المحليات 2018 خسارة 2019.

في الأشهر الأخيرة طفت على السطح صراعات داخلية تجاوزت السقف المألوف لحركة طالما كانت تتغنى بوحدة الصف والانضباط الحزبي وصلابة المؤسسات. لم تكتف تلك الخلافات بما سال في مواقع التواصل الاجتماعية بين اخوة المحنة بل وصل صداه الى وسال الاعلام ولم يكتف هذا الصراع بشقوق الداخل والخارج، السجن والمنفى، الدعوي بالسياسي، بل استهدف هذه المرة من كان يعد دوما ضامن وحدتها ورمزها وهو الشيخ راشد الغنوشي التي توجهت اليه سهام النقد فيما يتعلق بمسالة الانتخابات الداخلية لممثلي الحركة في الانتخابات التشريعية (خلاف القائمات). كان ذلك الخلاف في اعتقادي مربكا وكانت له تداعيات خطيرة على تماسك الحركة وتعبئتها في الحملة الانتخابية التي يبدو انها لم تفلح في جمع ممكنات الحركة النفسية ثمة نوع من التحلل النفسي وفقدان الحماسة الكافية للتعبئة انتشر بشكل مفزع شعور ان هناك جهات تجير لصالحها الانتصار الانتخابي لو حصل.

كان ترشيح حركة النهضة لشخص من داخلها في اعتقادي مجازفة غير مأمونة العواقب ويبدو ان الضغط التنظيمي الداخلي دفع بهذا الخيار لم يكن الامر في اعتقادي خيارا سياسيا بل خيارا تنظيميا (راب الصدع / وحدة الحركة) فلم تستطع الحملة الانتخابية للأستاذ مورو أن تقنع “التنظيم” بضخ ما تمتلك من مصادر وذخيرة وموارد بل واجهت الحملة الكثير من العراقيل الناجمة أصلا عن التباين الحاصل ما بين التنظيم والماكينة والقواعد… لا شك ان هيكل الانتخابات لم يكن في انسجام مع الحملة الانتخابية للأستاذ مورو. كما ظل الراي العام يسال ان كانت النهضة فعلا جادة في ترشيح الاستاذ مورو ام الامر مجرد مناورة سياسية كبرى ورغم الحهد المبذول في الاجابة عن هذا السؤال فان الاجابة لم تكن مقنعة لاوساط عديدة حتى من داخل النهضة..

كان خطاب الشيخ مورو “فولكلوريا” وعضيا لم يفلح في جلب الانتباه بعيدا عن قاموس الشباب ومفرداته واستعاراته كما ان آداؤه في المناظرة كان مخيبا للعديد من المتابعين.. بقطع النظر ان كانت للمناظرة قد اثرت في توجيه سلوك الناخبين. كما كان شباب النهضة الرقم الهزيل في المعادلة الجديدة وهو الذي تحول الى “شباب حزب حاكم” مخالبه من مخمل. حرمت الحملة الانتخابية من ممارسات تعبوية شبابية حية تبتكر وتبدع وظلت الحملة متوسلة على ماكينة ثقيلة براغيها أحيانا معطبة اصابها صدأ بغيض.

لهذه الأسباب الداخلية الخاصة بحركة النهضة كانت النتيجة خروج مرشحها الأستاذ مورو من الدور الأول.
ولا يعني ذلك انا اهملنا عدة عوامل اخرة تعلق بالناخب والسياق ولكن فضلنا عمدا تأجيل ذلك لمقالات لاحقة.

شاهد أيضاً

إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان…

نور الدين الغيلوفي مقال في ما بين حركتي النهضة والشعب من انفصال ما دام سالم …

في نقد “التناقض الداخلي” لمقترحات التيار الديمقراطي

عادل بن عبد الله عندما تطلبون من النهضة أن تعين رئيس حكومة من خارجها، وتطلبون …