الخميس , 17 أكتوبر 2019
الرئيسية / مقالات / هل باتت أيّام السّيسي معدودة ؟

هل باتت أيّام السّيسي معدودة ؟

فتحي الشوك

ملايين المتابعين داخل مصر وخارجها صاروا يعدّلون ساعاتهم على توقيت محمّد علي وينتظرون بشغف بثّه المباشر وإصداراته الجديدة، ليشدّهم إليه وهو يبوح لهم جهرا ما يعلمونه ويتناقلونه سرّا، عشرات المقاطع المصوّرة نزّلها رجل الأعمال المصري المقاول والفنّان محمّد علي فاضحا منظومة الفساد المستشري في مصر لتجد لها قبولا منقطع النّظير ويبدو أنّ الشّعب المصري الّذي فرّقته مسائل خلافيّة عدّة قد جمعه صدق ما يعرضه الرّجل المدعّم بالدّلائل الواضحة والمعبّر عن الواقع، فكيف استطاع محمّد علي أن يحرّك المياه الآسنة وأن ينعش قلبا خلناه توقّف عن الخفقان؟ وهل هي ظاهرة ستبقى منحصرة في المجال الافتراضي أم ستكون منتجة ولها تبعاتها على أرض الواقع؟

محمّد علي من فنّان مقاول إلى رمز مقاوم
قد يصبح موقفا يتعرّض إليه شخص ما إلى لحظة فارقة ونقطة تحوّل في حياته لتصنع منه بطلا، وهو ما حصل للملاكم الأسطورة محمّد علي كلاي حين تنمّر عليه أحدهم وافتكّ منه درّاجته وهو الصّبي الصّغير ليتوجّه للتدرّب على ما يكسبه ما يدافع به عن نفسه مستقبلا، ليتألّق في حلبات الملاكمة ويتوّج ببطولة العالم ثلاث مرّات منذ سنة 1960 حتّى اعتزاله سنة 1978، ان أشهر مقابلاته الى جانب الأخيرة الثّأرية ضدّ “سبينكس” سنة 1978 كانت تلك الّتي خاضها في الزّايير سنة 1974 ضدّ “فورمان” وانتصر عليه بالضّربة القاضية في الجولة الثّالثة، خلال تلك الفترة، كنّا نحن جيل النّكسة نسهر لساعات متأخّرة لمتابعته لنستمتع بمراوغاته ورقصاته وننتشي بلكماته.

لم يكن محمّد علي كلاي يمثّل نفسه بعد أن تحوّل إلى مناصر لقيم العدل والمساواة وحامل لرسالة إنسانيّة صارت تشملنا فكان تحمّسنا وشعورنا بالفرح والبهجة لانتصاراته هو بمقدار ما نحسّ به من هزيمة وانكسارات، عديدة هي نقاط التشّابه مع ما نعيشه حاليا مع ظاهرة محمّد علي المقاول والفنّان المصري الّذي تحوّل إلى صوت من لا صوت له لينتقل من خانة الفنّان المقاول إلى مربّع الرّمز المقاوم.

محمّد علي لا ينتمي إلى أيّ تيّار سياسي وليس مؤدلجا، هو ممثّل معروف بالقدر الّذي لا يجعله يخاطر بالبحث عن شهرة إضافية وهو ميسور الحال ممّا يجعله في غنى عن المقامرة بحياته لأجل حفنة من المال، وهو من رحم منظومة الفساد الّتي انفصل عنها بعد أن خبر ميكانيزماتها بكلّ تفاصيلها ما جعل فيديوهاته تنتشر كالنّار في الهشيم ليتلقّفها الجميع مصدّقين ما احتوته من مضامين هو خطابه السّلس الواضح المباشر وسرده لمعلومات دقيقة وحقائق لا يمكن إنكارها من ملاحظين محايدين أو حتّى من رأس المنظومة نفسها وشركائه وأتباعه.

صدقه وعفويته وملامسته مباشرة لهمّ المواطن المصري وفضحه لفساد قائد الانقلاب وزمرته بالحجّة والبرهان حوّلته إلى أيقونة طالما انتظرها جمهور المستضعفين والمطحونين والمكتوين بنار الفساد والاستبداد، لمحمّد علي حضور متميّز وكاريزما عجيبة وخطاب يشدّ المتابعين جمع فيه مع الارتجال والعفوية منهجية في سرد الأفكار وبثّها بنسق تصاعدي لتوجّه الرّسائل بدقّة إلى حاكم مستمرّ في غيّه ومحكوم يغطّ في نومه، مستثيرا إيّاه عساه يستفيق.

كانت سهام محمّد علي واضحة الوجهة تستهدف مباشرة سبب الأزمة ومصدر العلّة، عشّ الدّبابير أو مغارة علي بابا والأربعين ألف لصّ وكأنّه يستدعي لحظة الـّّأسيس حينما هاجم محمّد علي باشا قلعة المماليك، فالوطن مختطف بمن فيه والجيش الّذي من المفترض أن يحميه حوّلت وجهته وغيّرت عقيدته وورّط فيما لا يعنيه، ليصبح آلة منتجة للفساد توزّع فقرا وجهلا على الغالبية وتحتكر الأرباح والمغانم للأقلّية. صار الجمهور يترقّب إصدارا جديدا لمحمّد علي وكأنّه ينتظر بيان معركة جديدة يخوضها بطلهم الّذي بدأ يتشكّل في مخيالهم نيابة عنهم مساندين إيّاه بالنّشر والتّشجيع ليتّضح لأوّل مرّة عدوّ واحد متمثّل في الاستبداد ووليده الفساد.

هل تنتقل ظاهرة محمّد علي من المجال الافتراضي إلى أرض الواقع؟
بالرّغم من أنّ مجال الفعل مازال تفاعليا في حدود العالم الافتراضي تمخّض عن عدد قياسي للمتابعين وتصدّر الوسوم المعبّرة عن الرّفض لما يقوم به السّيسي وعصابته فان ذلك خلق حالة من الإرباك واللّخبطة الغير مسبوقة لدى منظومة الانقلاب كشفت مدى هشاشتها وضعفها بالرّغم ممّا تدّعيه من صلابة وقوّة، فانسداد الأفق يخلق مناخا من الانحباس يجعل من أيّة شرارة بمقدورها أن تشعل حريقا كما أنّ جنون العظمة لدى الطّاغية مع نفخ الكهنة والسّحرة فيه قد يحوّله إلى بالون هواء يتمطّط وينتهي لأن ينفجر مع وخز أوّل إبرة تعترضه.

نهاية المستبدّين الطّبيعية هي دوما سقوطهم وهو في الغالب يكون مفاجئا ومدوّيا بقدر علوّهم وطغيانهم وإفسادهم، وهم غالبا ما يوفّرون العناصر الكيميائيّة الضّرورية لانفجارهم واندثارهم، وهم في معظم الأوقات من يساهمون من حيث لا يعلمون في تنشئة عدوّ لهم من رحمهم يكون كموسى لفرعون.

بصدق رجل واحد من وراء هاتف هزم محمّد علي كلّ ترسانة آلة الدّجل الرّهيبة لتكون ردود الفعل تجاه ما يعرضه من حقائق مرتبكة ومثيرة للضّحك، كاستدعاء لوالده بالإكراه ليتبرّأ منه واتّهامه بالخيانة العظمى ووصفه بالمريض المدمن على الهيروين ثمّ تسريب لفيديو منسوب لأخيه يتّهمه فيه بأكل مال اليتامى، ويبقى الردّ الرّسمي الأكثر إثارة للسّخرية هو الدّعوة لمؤتمر جديد للشّباب بعد آخر عقد منذ شهرين، مؤتمرات تبذّر فيها الأموال لأجل لحظات هذيان يمارس فيها السّيسي هوايته المرضيّة ويطلب ككلّ مرّة من الشّعب المطحون المفقّر بأن يضحّي ويصبر لأجل أن ينعم هو وعائلته والمقرّبين منه ببذخ فاحش بما لا يُتصوّر.

لا يمكن الاستهانة بما يقوم به محمّد علي فقد أحدث رجّة بل زلزالا عنيفا في قلب جسد الاستبداد المتكلّس وكان كمن يحطّم الأصنام بفأسه، والأخطر من كلّ ذلك هي الاستجابة الغير المتوقّعة من جمهور اعتقد أنّه أصابته سكتة قلبية كتلك الّتي قيل أنّها أصابت الشّاب عبد الله منذ أيّام بعد أن طالت أباه محمّد مرسي منذ شهور، قد تكون ردّات الفعل لم ترتق إلى المستوى المنشود لكنّها مؤشّرات ايجابية وأوّل الغيث قطرة.

رسائل محمّد علي كانت مباشرة وواضحة وعنوانه كان الوطن والإنسان وهي فرصة تاريخية لأن يصطفّ الجميع خلف نفس العنوان لأجل ألا تحصل الكارثة ويحدث الانفجار وللخروج من عنق الزّجاجة بأخفّ الأضرار، وفي المحصّلة اعتقد أنّ أيّام السّيسي أصبحت معدودة، فهو صار عبئا ثقيلا على داعميه ومموّليه في الدّاخل والخارج وقد يؤدّي نتيجة لانتهاء صلوحيّته إلى انفجار كارثي لا يريده أحدا.

ستقع التّضحية بالسّيسي بعد أن أكمل مهامه على أحسن وجه في تدمير مصر وإخراجها من سياقها الحضاري وربّما ستضطرّ المؤسّسة العسكريّة والدّولة العميقة لأن تقدّمه ككبش فداء لإعادة التشكّل من جديد وللخروج بأخفّ الأضرار خوفا من أن تفقد نفوذها بالكامل، أمّا عن الشّعب المصري فان ما سيجنيه مرتبط بما استوعبه من دروس الماضي والحاضر والسّودان ليس بالبعيد. التّغيير قادم لا محالة ولا أحد بمقدوره إيقاف عجلته، وإنّ غدا لناظره لقريب.

شاهد أيضاً

حالة وعي

فتحي الشوك ما الّذي يجري؟ ما الّذي يحصل؟ سبحان مغيّر الأحوال شباب في عمر الورد …

من أطلق “القروي” ؟

فتحي الشوك كان جالسا صحبة جمع من رواد المقهى يحتسي قهوته ويبادلهم اطراف الحديث يبدو …