الإثنين , 23 سبتمبر 2019
الرئيسية / مقالات / ملف صحي …

ملف صحي …

علي المسعودي

انتابتني هلوسات مريعة هذه الأيام دفعتني دفعا إلى طرق باب عيادة نفسية لأول مرة. كنت مرعوبا من أن تتطور حالتي إلى نوع من الجنون الصريح.. جلست قبالة الطبيب وشرحت له حالتي بإسهاب ثم سألته :

  • سأكون صريحا معك دكتور، أنا أؤمن بقدرة الأطباء النفسيين على معالجة جيوب زوّارهم أكثر من قدرتهم على معالجة أدوائهم.. سأفرغ جيبي أمامك عن طواعية لو وصفت لي أي دواء يوقف فورا سيل الهلوسات التي تنتابني حتى ولو كان مفتولا قبل النوم.
    ضحك الطبيب وقال :
  • أنا لا أصف أدوية عزيزي، أنا فقط أباشر التحليل النفسي لمرضاي بعد تنويمهم مغناطيسيا..
  • إذن ، سأغادر.. أنت لا تنفعني
    ضحك الطبيب مجددا وقال :
  • لنعقد بيننا اتفاقا، أنت تقبل بأسلوبي، وأنا أقبل بتأجيل إفراغ جيوبك إلى ما بعد العلاج.
  • إذا كان الأمر كذلك، فقم بشعوذتك.. فأنا في كل الأحوال نصف مجنون..

•••

لا أدري كم استغرق الأمر من وقت، ولكني استيقظت فجأة ووجدتني ملقى على سرير وسط غرفة شبه معتمة والطبيب يرمقني بنظرة حائرة وقد غابت ضحكته المصطنعة، سألته في ريبة:
– ما الأمر يا دكتور ؟
– أمرك محيّر يا عزيزي، فأنت تشكو من متلازمات لا يمكنها أن تجتمع لكثرتها في شخص واحد !.
– الحمد لله، فأنت لم تصفني بعد بالجنون، مازالت لي بقية من عقل.
– لا ، أنت فعلا مجنون بالكامل، فأنت تشكو من متلازمة سلمى اللومي ومورو والمرزوقي وحمادي الجبالي والهاشمي الحامدي والزبيدي وعبير والصافي سعيد ومحسن مرزوق ونبيل القروي وحمة الهمامي والرحوي وسيدي بوزيد.. كلها مجتمعة !
نظرت إليه بما تبقى لي من عقل يصرّ الطبيب على نفيه وعلقت بكل سخرية :
– إذن هذه فرصة ذهبية لمراجعة كل مقررات الطب النفسي التي نسيتها !
– عزيزي أنت مصاب منذ الصغر بمتلازمة سلمى اللومي، وهي معروفة أكثر عالميا بمتلازمة داون، ومن أعراضها تخلّف عقلي حاد وتدنّ ملحوظ في نسبة الذكاء العام.

أنت تعاني من متلازمة مورو.. وتعرف علميا بمتلازمة هلسنكي.. وفي حالتك المستعصية أصبحت تتعاطف مع كل من اضطهدك أو أساء إليك، بل وتتبنّى أفكاره وتصرّفاته مع الحرص على إخفاء هذا الشعور. الخوف يسكن كل ركن في دماغك مما دفعك إلى الرغبة المحمومة في إسعاد من اغتصبك حرفيا ورمزيا بكل الوسائل الممكنة حتى لا يعود إلى فعله. لقد انتقلت بميكانيزمات نفسبة معقدة من إلقاء اللوم على مغتصبك إلى إلقاء اللوم على نفسك ومن الاشمئزاز من سلوكه المنحرف إلى الإعجاب به. وفي أعماقك أنت تحوّلت فعلا إلى مغتصب بالقوّة.

أنت مصاب بمتلازمة الصافي سعيد النفسية، وهي تشبه تماما متلازمة هنتر العضوية.. ومن الغريب أن تصيبك هذه العاهة النفسية، الغالب أنها تصيب الملوك والحكام.. فكثيرا ما تشعر بأن رأسك أضخم من كل الرؤوس، وأن بنيتك الجسدية أضخم من كل الأجساد، وتعاني غالبا من الإسهال اللفظي مثلما يعاني مرضى متلازمة هنتر من الإسهال المعوي، أنت تشكو من تيبّس في الأفكار مثلما يعاني مرضى متلازمة هنتر من تيبّس في المفاصل، ومن توقف في نموّ الوعي النقدي مثلما يعاني أصحاب متلازمة هنتر من توقف في نمو أجسادهم في وقت ما… أنت مشروع دكتاتور لو كنت في السلطة، فأصحاب متلازمة هنتر كما هو معلوم عنيدون ومستبدون.

أنت تعاني من متلازمة الزبيدي، وتدعى في المجتمع الطبي متلازمة جانسر، لا بدّ وأن صدمة نفسية شديدة، أو إصابة في رأسك قد أدت إلى ذلك فأنت دائم الهلوسة والارتباك، وأحيانا تفقد ذاكرتك لدقائق فيلفك الصمت أثناء حديثك مع الناس..
يكشف التحليل أن متلازمة طالب الطب قد تمكنت منك بدورها، وتسمّى أيضا بمتلازمة منجي الرحوي أو متلازمة حمّة لدى العامة ، فكلما أصابك صداع، أو انسدت خياشيمك بالمخاط، وكلما التهبت حنجرتك أو تخدّرت ساقاك من الجلوس في المرحاض، كلما أكثرت من التبوّل أو أصابك الإمساك، كلما أكثرت من النوم أو أقللت منه، فإن المتهم عندك هو أمر واحد، مرض خبيث قرأت عنه وأفزعك، حتى أصبح تشخيصك الوحيد..

أنت تعاني بشدة من متلازمة منصف المرزوقي، وكانت تسمى متلازمة السبسي قبل ذلك… وسميت كذلك لأن السبسي كان أشهر من ظهرت عليه أعراضها.. فقد أصابه هوس الرئاسة حتى بلغها ولم يغادرها إلا ميتا بعد التسعين.. ثم التقط المرزوقي هذا التناذر ويقول معارفه أنه أقسم بأن يظل مترشحا للرئاسة حتى الظفر بها ولو بعد المائة.. وقد تأكدت من أعراضها عندما سألتك عن زعيمك السياسي المفضل فأجبت على الفور: المرزوقي والسبسي معا !..

المتلازمة الأخرى هي متلازمة حمادي الجبالي أو الهاشمي الحامدي، وتعرف علميا بتناذر الهوس الشبقي. فأنت تظن خطأ أن جارتك تحبّك ومستعدة للموت من أجلك مع أنها أهانتك أكثر من مرة.. وأشهر المصابين بهذا التناذر هم المرشحون للرئاسة في هذه الأيام مع بعض الاستثناء.. هم يؤمنون بأن الشعب يعبدهم ويقبل آثار نعالهم مع أن الشواهد هي عكس ذلك..

أنت أيضا مصاب بمتلازمة القروي، ويفضل زملاؤنا في ايطاليا تسميتها بمتلازمة برلسكوني.. أنت مهووس بحبّ السيطرة، وتمتلك قدرة على التلاعب بكل من حولك دون أن تعير اهتماما للواجب والأخلاق.. تحبّ نفسك إلى حدّ الهوس وتظن أن الجميع ما خلقوا إلا لخدمتك ولحيلك وخديعتك..

متلازمة محسن مرزوق هي أيضا واحدة من عاهاتك النفسية الكثيرة، وهي متلازمة محلية لم يثبت وجودها عند آخرين إلى حدّ اليوم.. وتتميز بالقدرة العجيبة على التلوّن في المواقف إلى حد التناقض، وفي استعداد فريد لخدمة الآخرين مادام هناك مقابل.. إنه استعداد فطري للعمالة، وقد ذكرت أثناء تنويمك أنّك بعت كل جيرانك للبوليس !..

أما أخطر أمراضك فهي متلازمة عبير، أو متلازمة الحياء المنعدم، وهي تعني أنك تمتلك كثيرا من الصفاقة والوقاحة إلى الحدّ الذي تتنكر فيه لكل جميل، وترفض الاعتراف بالذنب حتى لو شهد على جرمك ألف شهيد.. ويحدث أن تذهب إلى حفل عرس ثم تغني فيه وترقص وكنت قد شتمت بإقذاع كل أصحاب العرس !.

وأخيرا أنت مصاب بمتلازمة سيدي بوزيد، وتسمى في مجتمعنا الطبي بمتلازمة باريس.. فأنت محبط ومكتئب طول الوقت منذ تسع سنوات لأن ظنك خاب في كل شيء منذ ذلك التاريخ، ولهذا كثيرا ما يظهر لك الماضي في هلوساتك كجنة ضاعت إلى الأبد.

  • هل لي أن أسألك أيها الطبيب، هل تهتمّ نوعا ما بالسياسة ؟.
  • بالطبع لا، فأنا طبيب أهتم بمهنتي فقط، وأعالج مرضاي ممن ذهبت، مثلك، بعقولهم أمراض السياسة !.

شاهد أيضاً

سأصوّت لنبيل القروي

عبد الرزاق الحاج مسعود لأنّني أراه مفردة من مفردات التأسيس السياسي المدني الجديد.. والمتعثّر الذي …

قيس سعيد باهي قيس سعيد خايب

إسماعيل بوسروال 1. قيس سعيد باهي اعتبره حدثا ايجابيا عندما تم انتخاب قيس سعيد في …