السبت , 21 سبتمبر 2019
الرئيسية / مقالات / الأحزاب التجمعية الجديدة.. أو التاريخ الآخر لثورة مهدورة (1)

الأحزاب التجمعية الجديدة.. أو التاريخ الآخر لثورة مهدورة (1)

عادل بن عبد الله

بعد ما عرفه من انشقاقات وصراعات كان نهايتها ميلاد حزب “تحيا تونس” بقيادة رئيس الوزراء يوسف الشاهد، لا يمكن للمؤرخ لمسارات الثورة المضادة في تونس أن يحصر الحديث في حزب “نداء تونس”؛ لأن ذلك سيكون ضربا من السطحية والاختزالية. ولكنّ فهم تحولات منظومة الحكم وآليات تكيفها الصوري مع الثورة التونسية يستدعي بالضرورة الانطلاق من هذا الحزب التجمعي الجديد، وإفراده بالجزء الأول من هذا المقال، قبل التطرق في الجزء القادم إلى “شقوقه” وبعض الأحزاب الأخرى المنتمية إلى “العائلة الدستورية”.

فرغم أن نداء تونس هو مجرد لحظة من لحظات التحول التي عرفتها المنظومة الحاكمة في تونس منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا، فإنه يكتسب أهميته من كونه الواجهة الحزبية القانونية “الأم”، تلك الواجهة المتكيفة صوريا مع اللحظة الثورية، والتي استطاعت توظيف الصراعات الهوياتية والسرديات الكبرى (بيسارها ويمينها) للعودة إلى واجهة السلطة في انتخابات 2014. إنه الخيار السياسي الأول للمركّب الجهوي- المالي- الأمني المهيمن على القدرات المادية والرمزية للبلاد في لحظتيها الدستورية والتجمعية، ولكنه لم يكن ولن يكون الواجهة النهائية لتلك المنظومة البراغماتية.

والأحزاب التجمعية الجديدة هي كل الأحزاب التي ورثت حزب التجمع الدستوري المنحل، ذلك الحزب الذي حكم تونس في عهد المخلوع؛ بعد انقلابه على المرحوم بورقيبة ووراثته للحزب الدستوري. وهذه الأحزاب التجمعية الجديدة تعرف ذاتيا بكونها استمرارا للسردية التحديثية البورقيبية، وبكونها أيضا المقابل الموضوعي والأيديولوجي للإسلام السياسي الذي يهدد (حسب ادعاءاتها) النمط المجتمعي التونسي ومكاسبه قبل الثورة وبعدها. ولا يخفي أغلب رموز هذه الأحزاب انتسابها، بل اعتزازها بأنها كانت جزءا من منظومة الحكم في عهد المخلوع، أو على الأقل عدم تعارضها المبدئي معها، واستعدادها لإعادة تدوير الرأسمال البشري والرمزي لتلك المنظومة، والتطبيع معه في جميع مراكز القرار والتسيير.

بعد إسقاط “قانون تحصين الثورة” (بالاغتيال السياسي وبحرف الأنظار عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وتضخيم القضايا الهووية)، نجح نداء تونس في توظيف الصراعات الهوياتية (وعجز القوى الثورية عن بناء سردية جامعة)؛ للتموضع ضمن ما يُسمّى بالعائلة الديمقراطية. كما نجح في إعادة إحياء السردية البورقيبية، وفي جعلها الخطاب الكبير الذي قبلت حتى الأحزاب اليسارية بالتحرك تحت سقفه. في بداياته (وقبل لقاء باريس الشهير بين “الشيخين” راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي)، كان نداء تونس يواجه معارضة من النهضة ومن حلفائها في الترويكا، ومن بعض القوى المدنية التي كان شكلها الأكثر صدامية هو “رابطات حماية الثورة”. ولكنّ النداء نجح (بمساعدة محلية وإقليمية) في ضرب هذه المعارضة، وفي جر النهضة أساسا إلى تغيير استراتيجيتها؛ والتطبيع معه بعد انتخابات 2014 في إطار ما سُمّي بالتوافق.

منذ الإجماع السياسي على إدارة الثورة بمنطق استمرارية الدولة، وما يؤسسه من “استثناء تونسي”، كانت المنظومة القديمة أكبر المستفيدين منه، أصبح العداء لنداء تونس مجرد موقف سياسي براغماتي، وليس تعبيرا عن موقف مبدئي من ميراث دولة الاستبداد التجمعية. فسواء أنظرنا في الحل السياسي المقترح في ما يُسمّى بقانون “تحصين الثورة”، أم نظرنا في الحل القضائي عند المدافعين عن الإقصاء الفردي وتجنب منطق العقوبة الجماعية، فإننا سنجد أنفسنا أمام مواقف “تكتيكية” مردها جميعا الخوف من قدرة نداء تونس على إعادة تفعيل الشبكة التجمعية بكل مكوناتها الزبونية، وبكل التضامنات الجهوية والاقتصادية التي تقف خلفه. ويكفي لإثبات ذلك أن نقارن بين الليونة في ردود الفعل تجاه الأحزاب التجمعية “الصغيرة” (وهي أكثر من أن تُحصى)، وبين العنف الرمزي (وأحيانا المادي) الذي واجه نداء تونس، رغم أنه لا وجود لاختلاف فكري أو بشري أو رمزي بين النداء وبين سائر العائلة النيو- تجمعية؛ التي تُسمّى مجازا “العائلة الدستورية”.

منذ البدء كانت “المعارضة الديمقراطية”، بحكم الحسابات الانتخابية الآنية، فضلا عن”المشترك الثقافي العام” مع نداء تونس (بحكم هيمنة المسألة الثقافية أو الهوياتة على أغلب وجوه الصراع مع الترويكا ونواتها النهضوية)، عاجزة عن المطالبة بجديةٍ بتحييد هذا الفاعل التجمعي الجديد، رغم خطره المؤكّد على المسار التأسيسي للحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فتمرير قانون تحصين الثورة يعني التفويت في التحالف “الاستراتيجي” مع طرف يمكن أن يكون شريكا فعّالا في معارضة النهضة قبل الانتخابات (بحكم سيطرته على مفاصل الإدارة والمال والإعلام والعلاقات الدبلوماسية خاصة)، وكذلك شريكا في الحكم بعد تلك الانتخابات. فحتى تلك الأطراف التي رفضت في الجبهة الشعبية الانخراط في التحالف من أجل تونس الذي يضم المسار والجمهوري ونداء تونس، فإنها اختارت التحالف الانتخابي (أو على الأقل عدم التصعيد) مع هذا الائتلاف النيو- تجمعي؛ لأنه أقرب إليها “ثقافيا” و”وجدانيا” (وليس في مستوى الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية) من النهضة والإسلاميين عموما.

ولعل استمرار اليساريين في الأخذ بمنطق التناقض الرئيس مع الإسلاميين والتناقض الثانوي مع البرجوازية؛ هو ما يفسر (من جهة أولى) نزعته الصدامية النسقية مع عموم الإسلاميين، والتعامل معهم وفق صور نمطية لا تجد ما يؤسسها في الواقع المتعين، كما يفسر (من جهة ثانية) استعداده للتعامل مع ورثة التجمع، وعدم الحسم فيهم على أساس “ميراث الدم”، كما يفعل مع النهضة انطلاقا من اتهامها بالاغتيال السياسي. فإذا كان من الطبيعي أن يعارض اليساريون قادة النهضة وخياراتهم الثقافية والاقتصادية، فإن معاداتهم لقواعد النهضة لا يمكن أن تفسر على أساس سياسي أو أيديولوجي محض.

ولذلك، فإننا نرى أن هذا العداء المرضي الذي يكاد يتحول إلى إسلاموفوبيا يُفهم أساسا بعاملين؛ لا ندعي أنهما الأكثر تحديدا لمواقف اليسار، ولكننا نزعم أنهما كانا حاضرين بقوة في توجيه الخيارات اليسارية بعد الثورة: أما العامل الأول فهو الخوف على المصالح المادية والرمزية المتراكمة في فترة إقصاء الإسلاميين من آليات توزيع السلطة والثورة، وأمّا العامل الثاني فهو الخوف من أن تعمد المنظومة الحاكمة إلى استدماج النهضويين في أجهزة الدولة؛ بصورة تنفي أو تقلص الحاجة إلى خدمات اليساريين. وقد ازدادت هذه المخاوف بعد قرار النهضة الاستراتيجي بالتطبيع مع الدولة ومؤسساتها وعدم مواجهتها.. ولعل هذان العاملان هما ما يفسر العداء اليساري المعلن للإسلاميين (في الإدارة والإعلام والنقابات ومنظمات المجتمع المدني)، رغم أنّ هؤلاء الإسلاميين هم في مجملهم من الفئات الفقيرة والمهمّشة التي يُفترض في “التقدميين” الدفاع عن مصالحها، ومحاولة تغيير وعيها “الطبقي” لا التصادم الأيديولوجي معها؛ على أساس”ثقافوي” لا يخدم في التحليل الأخير إلا مصالح “البرجوازية” اللاوطنية المهيمنة على نداء تونس ومن يقف وراءه من اللوبيات الجهوية.

لو أردنا التفكير بمنطق استقرائي عام يتجاوز الجزئيات ولكنه يتأسس عليها، فإننا سنقول إن نداء تونس قد نجح في الوصول إلى السلطة بالعمل على محورين: محور العائلة “الديمقراطية”؛ بتوظيف مخاوفها (المشروعة منها والمبالغ فيها) من الإسلام السياسي، وارتدادها عن مدارات الصراع الطبقي في مقابل تضخيم الصراع الهوياتي، ومحور النهضة بتوظيف مخاوفها هي أيضا من سياسات الاستئصال بالداخل، ومن الاستهداف الخارجي من المحور الإماراتي- السعودي، وكذلك بتوظيف عدم تعارضها الأيديولوجي مع السياسات الليبرالية للدولة وانخفاض سقفها الإصلاحي. ومن نافل القول أن نؤكد هنا على أن الرهانات (والصراعات والتحالفات الاستراتيجية والتقاطعات المرحلية) لا تقبل الاختزال في البعد الأيديولوجي المحض؛ لأنها تعكس مجموعة من المصالح المادية والطموحات الشخصية التي تفيض عن أي تأسيس في المرجعيات والأيديولوجيات المتصارعة.

لقد كان وصول نداء تونس إلى السلطة (واستحواذه على الرئاسات الثلاث) حدثا مفصليا في تاريخ تونس ما بعد الثورة. فبقدر تعبيره عن قوة المنظومة القديمة وقدراتها المؤكدة على إعادة التموضع والانتشار، فإنه أظهر محدودية الادعاءات الطهورية والمزايدات النضالية لأصحاب السرديات الكبرى يمينا ويسارا. فالجميع قد ارتضى السردية البورقيبية لإدارة الجمهورية الثانية، والجميع قبل بالدخول (من أبواب متفرقة) إلى بيت الطاعة التجمعي الجديد. ولكن التناقضات الداخلية التي تطبع منظومة الحكم، بالإضافة إلى تبني الرئيس التونسي منطق الدفاع عن ابنه بصورة جعلته يقترب من مشروع التوريث، كل ذلك عجل بتفكك هذا الحزب بعد بلوغه قوته القصوى. ولكن النواة الصلبة للنظام (وهي نواة جهوية معروفة) سرعان ما تداركت الأمر، ونجحت في الحد من التداعيات الكارثية لانشقاقات التي عرفها نداء تونس، وذلك بأن تحركت على عدة واجهات سياسية تظل رغم خلافاتها مجرد أدوات لخدمة منظومة الحكم وخياراتها الكبرى ذاتها. وهو ما سنفصل القول فيه (إن شاء الله) في الجزء الثاني من هذا المقال.

عربي21

شاهد أيضاً

من سيكون المنتصر في الانتخابات التونسية ؟

عادل بن عبد الله للوهلة الأولى، قد يبدو السؤال الوارد في العنوان محاولة لاستشراف نتائج …

الالتقاء الموضوعي بين قُطّاع طرق الدنيا وقُطّاع طرق الآخرة

عادل بن عبد الله إنّ يسارا لا يعترف بيساريته ولا يستبقي من فلسفته الا معاداة …