تدوينات تونسية

كعبها العالي

منجي الفرحاني
توقّفت سيّارة مرسيدس سوداء اللّون أنيقة المظهر جديدة غير بعيد عن المقهى، على مستوى الحلاّقة، تحت مكتب أخصّائي الأمراض التناسليّة في علاقتها بثقب الأوزون ولقطاء الفنّ والسّياسة في المجتمعات العربيّة، أمام كوم الزّبالة في المكان المخصّص للمعاقين..
التّصفير وكلمات الغزل وبسم الله ما شاء الله والصلاة على النبّي والتحرّش ووابل من كلمات الإيحاءات الجنسيّة الفاحشة على وقع كعب أنثى عال من هنا وهناك كانت في رأسي كموسيقى تصويريّة لمشهد من فلم كوميديا سوداء كنت أعصر فيه دماغي علّي أعرف علاقة الأمراض التناسليّة بثقب الأوزون ولقطاء السّياسة في مجتمعاتنا العربيّة..

  • خويا فاضي الكرسي؟
    أومأت برأسي مع إشارة بيدي أن خذيه وعدتّ إلى ما يدور في رأسي من أسئلة غير أنّها جلست فغمرتني بعطر أنوثتها الرّهيب فاستفقت..
    إمرأة عربيّة الهوى صبوحة الوجه أنيقة الهندام في بدايات عقدها الرّابع تقطر أنوثة كأنّها الفتنة الكبرى..
  • خلتك ستأخذين الكرسيّ إلى طاولة أخرى.. أزمة الكراسي في هذا المقهى أصبحت خبزا يوميّا..
    نظرت في عينيها السّوداويّتين فرأيتني فيها، أطارد مها تائهة في صحراء ربعي الخالي كلّما أرسم منها عينا تخذلني أناملي فتسقط الرّيشة..
  • الحمد لله لست امرأة غريبة عليّ..
    تفتّحت وردتي خدّيها حياء جميلا وتجنّبت عيناها عيناي ونظرت في قاع فنجاني فقرأت كلّ ما يدور في رأسي قبل وصولها وعند اللّقاء..
  • أسئلتك بينك وبينك أضحكتني أيّها الرسّام المجنون..
    ثمّ ضحكت فاكتمل البدر على وجهها..
  • أنت تبحث على علاقة مستحيلة لا توجد إلاّ في رأسك أنت..
    ماذا تقصد يا ترى؟
    هل سمعت ما يرويه النّاس عن صاحبة العيون العربيّة العسليّة؟
  • أنا لا أؤمن بالمستحيل سيّدتي فقبل تفتّح وردتي خدّيك، رأيتني دون كلّ الرّجال في عينيك..
  • السيّاسيّ اللّقيط يا صديقي هو من يغتصب غول الشّمال اللّعين زوجته أمام عينيه برضاه فينتشي ويلعق صلعته الزمباويّة النّتنة.. هل ستراقصني مثلها في آخر رشفة من قهوتك؟
  • والفنّان اللّقيط يا أنتِ هو من يلعق أحذية العسكر الرّجيم في أرض الكنانة ويغنّي على نخب دماء ضحاياه..
    ثمّ اقتربت منها فأدارت وجهها متعجّبة من جرأتي فوجدتّني على مسافة الصّفر من أذنها فوشوشت لها إجابتي عن سؤالها عن الرّقصة..
  • لم أكن أنتظر كلّ هذه الجرأة، أو لم تسقط قبل حين ريشتك من أناملك المرتعشة؟
  • لست من أصحاب الأيادي المرتعشة سيّدتي ولكنّني أعترف بسقوط ريشتي بالضربة القاضية أمام أنوثتك عند اللّقاء،
    غير أنّ الرّسم يحلو أحيانا دون ريشة ولا حتّى لوحة.. أنت اللّوحة سيّدتي والألوان والبدر وكلّ الورود وأنا كلّي ريشة..
    قمت أبحث عن النّادل لأسأله إن كنت وحدي فبادرني:
  • شكون كيفك يا صاحبي، تُقتل.. تُقتل.. تُقتل..
  • جيب زوز قهاوي أخرين وتلمّ…

يا ناس، لست أحلم؟
أمسكت يدها ليطمئنّ قلبي..
– يزّيتش توا؟
يا ربّي.. لست أحلم.. وأخصّائي الأمراض التناسليّة بريء من جنوني..
“في علاقة بثقب الأوزون”.. مجرّد بقايا ملصّقة لندوة علميّة حول الفضاء التصقت عبثا تحت لوحة الأخصّائي..
– وطبعا حكاية لقطاء السّياسة والفنّ زدتها من عندك يا فنّان باش تحلى العركة في مخّك…
فضحكنا حتّى سكرنا حبّا وقهوة عربيّة وعبثا ثمّ غادرنا المقهى فلم نجد السيّارة.. أخذتها الشّرطة البلديّة لعدم ثبوت الإعاقة لدى صاحبتها.. ضحكنا من جديد ثمّ تسكّعنا في شوارع المدينة الخاوية على عروشها إلاّ من بعض المشرّدين ودوريّات البوليس..
بحثنا عن القمر وقد كان في ليلة تمامه وراء أيّ بناية يختفي ثمّ لمّا علا وراء أيّ سحابة.. لعبنا.. سابقنا جرأتنا فسبقنا الحياء رغم أنّ النّاس نيام..
– من رسمني في عينيك عيونه لا تنام..
– وكذلك من رسمني في لوحتك..
مع مطلع الفجر توادعنا على أمل لقاء قريب..
ما أجمل الإحساس بالوطن في عيون إمرأة أنوثتها أعتى من ثورة…
– من “في مقهى العبث”..

اترك رد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock