الأحد , 21 أبريل 2019
الرئيسية / تدوينات تونسية / دولتك تركت أختي ليلى تموت أيها الزعيم الفذّ

دولتك تركت أختي ليلى تموت أيها الزعيم الفذّ

الطيب الجوادي

في ريفنا الكافي البعيد، لم نكن نفقه معنى الوطن، كان الوطن مجرد فكرة هلاميّة غائمة، مجرد عبارة رومانسيّة في معجم، كان أبي يكرّر أمامنا دائما أن وطننا هو قطعة الأرض الصغيرة التي كنا نفلحها فتدرّ علينا ما يقيم أودنا ويبقينا على قيد الحياة، وبدونها نموت جوعا ونتشرّد، في حين يتساوى حضور الوطن الكبير وغيابه في حياتنا، فباستثناء المستوصف والمدرسة الابتدائية، لم نكن نعني الوطن في شيئ، ولم يكن يعتبرنا من رعاياه، وبشكل ما كنا ندرك في أعماقنا أنه لا يحبّنا، فكنّا نتعمّد تجاهله والتهوين من أمره،

ولذلك حين وزعوا علينا أعلاما صغيرة ذات مناسبة وطنية وطالبونا بالحضور في مركز المعتمدية والتصفيق للزعيم، ألقينا بالأعلام بعيدا وحدفنا الزعيم بالحجارة، فتمّ إيقاف الكثير منا وايداعهم السجن وتعذيبهم، ولا غرو، فقد زارنا الزعيم في الربيع، بعد أن طحننا شتاء قاس رهيب فقدنا فيه الكثير من مواشينا، ومات كثير من أهالينا بسبب البرد الفاجر، ومنهم أختي الوحيدة ليلى، وكم شعرت بالقرف والزعيم يخطب بكل صفاقة وتعال ليذكرنا بأنه أخرج فرنسا وبنى دولة عظيمة، وكم تمنيت أن أقترب من المنصة التي يخطب عليها، وأبرز له أصابعي الدامية من أثر الصقيع وأصرخ فيه “دولتك تركت اختي ليلى تموت أيها الزعيم الفذّ الذي دوّخ فرنسا، كان يمكن أن تكون بيننا الآن لو فكرت في بناء جسر صغير على وادينا الذي يمنعنا من الوصول لمركز المعتمدية عندما يفيض، ولكن الزعيم كان سكرانا بأمجاده الشخصية ولم نكن نعني له شيئا فحدفناه بالطوب وهو أضعف الايمان.

شاهد أيضاً

طين الله

الطيب الجوادي بعد ساعة عدنا بأبي إلى البيت، ظلّ صامتا طوال الطريق، ترى فيم كان ...

خالتي عائشة

الطيب الجوادي كانت -رحمها الله- مولعة بالحياة، حفيّة بكل ما يمكن أن يُدخل عليها وعلى ...