السبت , 16 فبراير 2019
الرئيسية / تدوينات تونسية / أقلعوا عن العقليّة الصفريّة !

أقلعوا عن العقليّة الصفريّة !

بشير العبيدي

#بالفلفل_الحار

أذكر أنّني، حين رغبتُ أن ألتزم بأداء الصّلاة وكنت زمانئذ في سن الخامسة عشر من عمري، ذقتُ الأمرّين لكي أصلّي كلّ يوم ! لقد كرهتُ نفسي أن أكون في ذلك المجتمع الذي أوجدتني الأقدار فيه !

وكيف لا أكره نفسي؟! تخيّلوا : في النّهار، يهدّدنا الأستاذ إن صلّينا في السّاحة. وإن خرجنا نجري إلى المسجد لكي نصلّي، وجدنا المسجد موصداً – قرار في زمن أبي رقيبة – بحجّة أن وقت الصّلاة قد فات، فيطردنا الإمام أو المؤذّن، ويقول لنا، مستهزئا : “أنتم متاع صلاة؟!” !

فإذا اجتمعنا نصلّي وقت الصّلاة في المسجد عذّبنا الوشاة وهددتنا الشرطة السرّية إن نحن جلسنا نقرأ القرآن جماعة أو نتحدّث في المسجد !
فإذا تغيّبتُ عن المنزل أو تأخّرتُ، آكل على مؤخّرتي نصيب ما يأكله الطّبل ليلة العرس بسبب اتهامي أنني (صرتُ خمينيّا) !
فإذا خرجتُ أمشي في الشوارع، نعتتني الأصابع ورمقتني الأعين وقالوا عني “لقد تخونج” الولد ! خسارته !ألا في الخسارة أنتم أيها المرضى ! بدءاً بالمعلّم الذي نهاني عن الصلاة، مروراً بإمام المسجد الذي أوصد الباب في وجهي، وصولا إلى ذاك الذي ضربني على مؤخرتي بيد الفأس بسبب تأخري في المسجد، وحتى إلى الذي نعتني بأصبعه في الشوارع !

هذا حصل قبل أزيد من ثلاثين سنة! ونحن الْيَوْم نعيد الكرة مع أطفالنا، بلا خجل !
هل تصدّقون أننا منذ خمسين سنة نعيد نفس الخرافة في بلادنا المنكوبة بالطّغاة والغلاة والغزاة؟؟؟

ألا تعرف مجتمعاتنا هذه أن تتطوّر بمقدار عشر سنتمترات، بأن توفّر الحرّية الكاملة لمن شاء أن يؤدي الفرض وتوفّر نفس الحرّية لمن شاء أن ينقب الأرض؟ ما بالنا نعيش في مجتمعات مشوّهة مريضة لا تعترف إلا بالعقلية الصفرية التي تبحث في كلّ سنة أن تعيد عقارب الساعة إلى الصفر ولا تنتج إلا الأصفار والصفريين والاستئصاليين والمرضى والتافهين ؟؟؟
لقد سافرتُ في أنحاء الدنيا ورأيت في مطارات جميع الكفار والفجّار مصلّيات للراغبين في الصلاة، وخمّارات للراغبين في معاقرة بنت الدالية، ألا تستطيع مجتمعاتنا أن توفّر نفس الخدمتين لمواطنيها، تبّا؟؟؟

قبل أن أستأنف النشر في المواقع الاجتماعية، قمت بجولة سريعة في المنشورات، فإذا بوزيرة جزائرية تقيم الدّنيا ولا تقعدها لأجل شباب يريدون الصلاة، وإذا بإعلام الهرج والرّهج التونسي يقيم الدنيا ولا يقعدها على مدارس تحفيظ القرآن، بتعلّة مخالفة، الله أعلم بحيثياتها !
الجزائر وتونس حيث لم يتم توفير عمل للشباب بعد سبعين سنة استقلال، وحيث لم يستطيعوا بعدُ أن يكتبوا ثمن القهوة في قصاصاتهم باللغة العربية !
ما لكم؟! أين تعيشون؟! من أنتم ؟! في أي عصر مازالت عقولكم عالقة؟! الْيَوْم عصر المعلومة والتواصل والمعرفة، كل الناس لها أن تقتنع بما تشاء ولها أن تنتقد ما تشاء، ولها أن تهتدي كما تشاء ولها أن تفسق كما يراد لها، فلماذا تريدون فرض رأيكم الخاص على أناس لا تريد رأيكم ولا ترى به؟

هل رضينا بكم، أنتم أصحاب الهمّ، والهمّ لا يريد أن يرضى بِنَا؟؟؟
ارفعوا أيديكم عن المجتمعات، من أراد الصلاة فليفعل، ومن أراد الفجور فليفجر… تبّا !
هل نحن أقلّ من الهنود الذين يعبدون البقر في الشوارع، وتقف السيارات أمام بقرة تجتاز الطريق؟!
عاملونا – تبّاً – كمعاملة عبدة الأبقار، يا أبقاراً تشابهت علينا !

جمادى الثانية 1440 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا |

شاهد أيضاً

الكلمات المهاجرة

بشير العبيدي #فنّ_الحياة حين نتأمّل بعض الكلمات في جميع اللّغات، تستوقفنا المسافة الكبيرة التي قطعتها ...

تونس في ذكرى ثورتها… والثورة في يوم ذكراها !

بشير العبيدي /|\ #أقولها_وأمضي ثمانية أعوامٍ مرّت تونس وثورتها أم ثماني سنوات ؟! فالعام في عربيّتنا ...