السبت , 24 أغسطس 2019
الرئيسية / مقالات / الحبّ في عصر التوحّش !

الحبّ في عصر التوحّش !

Advertisements

فتحي الشوك

ما يزال الحبّ عصيّا على الفهم والحصر، وما زال شبه طلسم أثره كفعل السّحر، كان ولا يزال أكسير الحياة وأساسا لتواجد الإنسان واستمرار النّوع، هو احتياج إنساني لا غنى عنه، محرّكا له وملهما لإبداعه تجلّى رسما، نحتا، فلما، شعرا ونثرا. كان قيمة سامية راقية ترتقي إلى مستوى القداسة، فكيف تحوّل إلى حسّ ملبّد بالدّناسة؟

مقاربات في فهم الحبّ
يعتبر الحبّ باقة متنوّعة من المشاعر الإيجابية والحالات العقلية قويّة التّأثير وهو بحكم التنوّع الكبير في الاستخدامات والمعاني للمصطلح يبقى غير قابل للحصر بشكل ثابت ودقيق. هو شعور بالانجذاب والتعلّق العاطفي بدرجات متفاوتة تجاه أشخاص، مخلوقات، أشياء أو معاني وأفكار، وقد حاول العلم الحديث ضبطه وإخضاعه لنبراسه لتبرز بعض النّظريات البيولوجية والنّفسية في محاولة لفكّ طلاسمه.

تقسّم عالمة السّلوك البشري “هيلين فنس” الشعّور بالحبّ إلى ثلاثة مراحل متداخلة وهي الشّهوة والانجذاب والتعلّق حيث تلعب النّواقل العصبية والهرمونات دورا أساسيا في التفاعلات (هرمونات التستوستيرون والأوستروجين والدّوبامين والسّيروتونين، الّتي تحفّز مناطق المتعة في الدّماغ تماما كفعل العقاقير المنشّطة (مثل الأمفيتامين)، ممّا يتسبّب في ارتفاع دقّات القلب وفقدان شهيّة الأكل وقلّة النّوم). أمّا عالم النّفس “روبرت ستيرنبرغ” فيفكّكه إلى ثلاثة مكوّنات مختلفة وهي الارتباط والعلاقة الحميميّة والالتزام. هي مقاربات نسبيّة للفهم قد تفسّر شيئا لتغيب أشياء فهو قيمة مطلقة وليست نسبية كما يقول الفيلسوف “برتراند راسل”.

والملفت أنّ قصص الحبّ الخالدة الّتي تحوّلت إلى شبه أساطير لا يبدو أنّها خضعت لمنطق أو لقوانين الكيمياء أو الفيزياء، فما جرى بين هيلين وباريس، كيلوباترا ومارك انطونيو، عنترة وعبلة، قيس ابن الملوّح وليلى بنت عامر، الملك ساجهانو وتاج محلّ، لا يمكن فهمه إلاّ باستحضار معاني الإيثار اللّامتناهي ونفي الذّات، في نفس السّياق يعرّف عالم الأحياء “جيرمي غريفت” الحبّ بكونه الإيثار الغير مشروط، أمّا الفيلسوف غوتفيرد فيعتبره السّعادة الّتي تحصل بإسعاد شخص آخر وهو ما يتماهى مع ما عرّف به أرسطو الحبّ بكونه إرادة الخير للآخر.

والحبّ هو أساس العلاقات الشخصية بين البشر ووظيفته وغايته الرّسمية هي الحفاظ على النّوع البشري وهو احتياج لا غنى عنه كما يؤكّد عالم النّفس “ماسلوني” في رسمه لهرم بناء الشخصية. هو نموّ روحي ووجداني وتحرّك باتّجاه الآخر وهو قيمة سامية تحقّق للإنسان إنسانيته، تتطلّب الإيثار إلى حدّ نكران الذّات والعمل على إسعاد المحبوب. ذاك كان الحبّ فهل ما زال على ما كان عليه؟

حبّ ما بعد الحداثة
تعتبر ما بعد الحداثة ردّة فعل على الحداثة الّتي ترتبط في كثير من الأحيان بمفاهيم الهويّة والوحدة والسّلطة واليقين وهي كما وصفها الفيلسوف “فريديريك جيمسون” المنطق الثّقافي المهيمن للرّأسمالية المتأخّرة أو الرّأسمالية الاستهلاكية أو العولمة وأهمّ ما يميّزها نظريّا هو النّقد والتشكّك والتركيز على الخلاف في وصف الوحدة لتنتج فردانية واستهلاكية عوض المواطنة. تلك الفردانية الّتي في ظاهرها تجعل الإنسان أكثر حرّية وتحرّرا من سابقيه لكن تسجنه في قمقم ذاته وتحوّله إلى كائن سهل التّوجيه، تولّد فيه الحاجات ويبرمج وفق متطلّبات السّوق.

والمثير أنّ الفردانية قد جعلت الإنسان يفقد خصوصيّته الفردية شيئا فشيئا لتتساوى المتع والمشاعر والآلام وحتّى الأحلام في شبه تحقّق لظاهرة الواحديّة في علم النّفس، وممّا سارع في حصول ذلك طفرة التطوّرات التكنولوجية ووسائل الاتّصال الحديثة، فالإنترنت مثلا استغلّت واستثمرت خوف النّاس من الوحدة لتمنحهم فرصة التّواصل الوهمي مساهمة في درجات من الانفصال عن الواقع وفي تعميق الوحدة الفعلية، بل وفي فقدان العلاقات لدفئها وعمقها وجعلها هشّة إلى درجة يسهل كسرها.

في عصر العولمة والرّأسمالية المتوحّشة تمّ “تبخيس” الإنسان وترذيل ما يحمله من قيم وتنميط الأحاسيس والمشاعر في شكل قوالب جامدة وجاهزة، ولم يستثن في ذلك أسمى ما يمكن أن يشعر به الإنسان وهو الحبّ، الّذي من المفترض أن يكون إيثارا، تضحية، نكرانا للذّات وسعيا دؤوبا لإسعاد الآخر، ليتحوّل إلى كلمات جوفاء، ورموز بلا روح، طقوس بالية وهدايا تشترى في عيد اختير له قصّة مجهولة لقدّيس مغمور (سان فالنتان) مع أنّ التّاريخ الإنساني لا يخلو من قصص أخرى، خالدة وأكثر وضوحا ومعنى كمجنون ليلى أو تاج محلّ.

عيد أفرزته ماكينة المركزية الغربية المتضخّمة حول ذاتها والتي لا ترى في بقية الحضارات سوى هوامش ثانوية أو زوائد دودية. في عصر ما يسمّى بما بعد الحداثة يشجّع الرّعايا ويدفعون نحو السّعي وراء ما هو حسّي ومثير وفي جوّ الايروتيكية والجنسانية تتمّ الاستثارة مع عرقلة تحقّق الإشباع المرضي ممّا يجعل الفرد في حالة احتياج دائم وارتباط عضوي بالمنظومة المهيمنة، هي صناعة واستثمار، توجيه عن بعد وطريقة للاستعباد.

وقد عبّر عن ذلك الفيلسوف زيجمونت باومان بقوله: “صارت العلاقات سهلة الدّخول والخروج وأصبحت الرّوابط الإنسانية خفيفة وسائبة” (كتاب الحبّ السّائل 2003) ويضيف أنّ الايروتيكية استقلّت عن الإنجاب والحبّ لتصبح مكتفية بنفسها سببا وغاية (مقال الاستخدامات ما بعد الحداثية للجنس 1999).

هكذا تمّ إفراغ الحبّ من قيمته وتجريده من وظيفته كأساس للعلاقات الشّخصية بين البشر وسبيل للوصول لحالة من التّوازن النّفسي وشرط لاستمرار النّوع. صار الرّجل أو المرأة يفتّشان عن نصفها الآخر بالحماسة ذاتها الّتي يبحثان فيها عن سلعة في السّوق وبمواصفات السّوق، وصار اختيار الشّريك يحدّد بمدى الاستفادة منه ليتحوّل الآخر إلى وسيلة لإشباع حاجاته.

وصار ذهن من ينوي الدّخول في علاقات ملزمة مبرمجا بسيناريوهات كيفية الخروج منها ليصبح الطّلاق سهلا وروتينيا وأوّل ما يتبادر إليه قبل استنفاذ الحلول الأخرى وكأنّ المسألة تتعلّق باقتناء جهاز هاتف جوّال قد يبدّل حتّى بدون عطب أو سبب بمجرّد إصدار هاتف جديد في السّوق.

في أمريكا مثلا، ثمانون في المائة من الزّيجات تنتهي بالطّلاق أمّا في تونس فالسّنة القضائية المنقضية 2016/2017 سجّلت 16452 حالة طلاق (بمعدّل 45 حالة يوميا)، أرقام مفزعة تستوجب وقفة تأمّل لمراجعة المسار والتشخيص والبدء في المعالجة لأزمة تتعمّق هي قيّمية بالأساس. وفي خضمّ الأزمة القيميّة العميقة الّتي تعيشها الإنسانية يحتفل البعض بعيد الحبّ، احتفالات نمطيّة، شكلية، معلّبة ومعولمة لغايات استهلاكية لا غير، فما أسهل أن تصطفّ في طابور لاقتناء هديّة كما يفعل الجميع أو تجلس في مقهى أو مطعم وتشعل بعض الشّموع أو أن تردّد بعض الكلمات الرّكيكة أو تبتسم ابتسامة صفراء أو تذرف بعض الدّموع لكن ما أصعب أن تحبّ فذاك يتطلّب نقاء، صدقا وبعض الخشوع.

Advertisements

شاهد أيضاً

عيد… بما مضى أم فيك تجديد

فتحي الشوك عيد بأيّ حال عدت يا عيد … بما مضى أم فيك تجديد هكذا …

خيارات النهضة و استحقاقات اللّحظة

فتحي الشوك اتّجهت الأنظار إلى مدينة الحمّامات التونسية حيث عقد مجلس شورى حركة النّهضة اجتماعا …