الأربعاء , 26 يونيو 2019
الرئيسية / مقالات / “ستّون دقيقة” عرت ستين عاما من واقع مصر !

“ستّون دقيقة” عرت ستين عاما من واقع مصر !

فتحي الشوك

كان من المنتظر أن تكون حلقة “ستّون دقيقة” الأخيرة المبرمجة على قناة “سي بي إس” الأمريكية فرصة لتلميع الرّئيس المصري عبد الفتّاح السّيسي ومحاولة تقديمه كزعيم فاعل ومؤثّر، فما الّذي حدث حتّى تسعى السّلطات المصرية جاهدة لمنع بثّها بعد أن أجهدت نفسها لإجرائها؟

ستّون دقيقة:
يعتبر برنامج ستّون دقيقة من أهمّ البرامج السّياسية الّتي تعرض على قناة “سي بي إس” الأمريكية وقد استمرّ لمدّة أكثر من نصف قرن بعرض لقاءات مع أبرز زعماء العالم فما الّذي يمنع الرّئيس المصري عبد الفتّاح السّيسي من أن ينضمّ إلى القائمة ويكون أحدهم وهو طبيب الفلاسفة، صاحب الفلاتر، القائد المنقذ، هبة الله لمصر المعوّضة لهبة النّيل الّتي فرّط فيها؟ هو مجرّد لقاء صحفي وقد خبر ذلك في بلده، فطالما أبهرهم وأفحمهم وجعلهم يطبّلون بلا انقطاع ويقيمون المحاضرات لتفسير ما تعجز عن فهمه العقول البسيطة، فمهمهة وبعض الكلمات المبهمة وبعض القهقهات والحركات تكفي لكي تبتدئ جوقة المطبّلين في عزف سمفونية القائد الملهم، المخلّص فلتة زمانه ومبعوث العناية الربّانية. كيف لصحفيّ أن يحرجه؟ أو ليس هو مجرّد ذراع يحرّكها عن بعد ودمية يوجّهها كيفما يشاء؟ حتّى ولو كان أمريكيّا، أو ليس هو حليف أمريكا الأوّل الحريص على مصالحها ومصالح ربيبتها “اسرائيل”؟ أوليس هو هبة السّماء لهذه الأخيرة والّذي يهمّه أمن مواطنيها أكثر من أمن المصريين؟

كان السّيسي حريصا على أن يسجّل حلقة في برنامج “ستّون دقيقة” أسوة بأغلب زعماء العالم وكان يظنّ أنّه بإمكانه أن يحاط علما بالأسئلة مسبّقا معتقدا أنّ ما يقدّمه لأمريكا و”إسرائيل” من جليل الخدمات قد يشفع له أن يكون استثناء وربّما كان يخامره أنّه لو فشل في الاختبار وهو متوقّع لأمثاله، فبمقدوره أن يمنع بثّ الحلقة، بيد أنّه فوجئ بمبدئيّة صحفيين لم بتعوّدها، أصرّوا على أن لا يخرقوا تقاليدهم ثمّ قاموا ببثّ الحلقة كاملة يوم الأحد 6 يناير 2019 برغم محاولة المنع بطلب من سفير مصر بواشنطن “ياسر رضا” وتوجيه من رئيس المخابرات المصريّة العامّة “عبّاس كامل” الّذي علّل ذلك حسب مصدر “عربي بوست” بالظّهور “غير الموفّق” لفخامته وقد أصدر تعليماته إلى مختلف الأذرع الإعلامية المصرية والعربية بعدم تناول الموضوع إن وقع المحظور وتمّ البثّ. وهم يحاولون بذلك أن يحدّوا من الأضرار الحاصلة لجعلها في أدناها بعد أن تحوّل اللّقاء إلى فضيحة بكلّ المقاييس، فضيحة في الشّكل وفي المضمون أظهر رئيس أكبر دولة عربية في شكل مسخرة وأكبر أضحوكة في العالم وموضوعا للتنذّر لكلّ من هبّ ودبّ.

فضيحة في الشّكل:
يعتبر المظهر، ملامح الوجه، نظرة العينين، نغمة الصّوت وحركة اليدين من تعابير لغة الجسد وهي يكشف ما يقع التستّر عليه. كان السّيسي مرتبكا، يتصبّب عرقا، عيناه تتراقصان ونغمة صوته تتأرجح بين الاستجداء والغضب. علامة التعرّق الواضح، ابتلاعه لريقه في بعض الأحيان، احمرار عينيه وتصلّب عضلات وجهه تثبت أنّ إفرازا كثيفا للأدرينالين وهرمونات القلق قد تمّ، أمّا إغماض عينيه من حين لآخر فهو ينمّ عن محاولة هروب من موقف محرج أو كابوس.

كان المشهد أشبه بمتّهم في حالة تحقيق، يجلس على كرسي الاعتراف لتجلده الأسئلة كما تجلد سياطه مئات المستضعفين المظلومين. هو يكذب ككلّ مرّة ولا يستحقّ ذلك إثباتا بآلة لكشف الكذب وكلّ كذبة ترسّخ صدق ما يروّج عنه. قهقه بلا موجب وفقد سيطرته على غضبه وتصرّف كمريض نفسي ثنائي القطب أو مصاب بانفصام حادّ ليطرح السّؤال كيف أمكن لهذا المضطرب نفسيا وعقليا التسلّل إلى دفّة الحكم لقيادة أكبر دولة عربيّة ليضعها في موقع الخطر الوجودي؟ يقول “بيللي سكوت” معدّ البرنامج وهو مصدوم أمام أداء مهزوز وفضيحة بكلّ المقاييس لرئيس أكبر دولة عربية: “قد يكون الأقلّ ذكاء من بين جميع الزّعماء الّذين جاءوا إلى البرنامج على مدار خمسين عام وأكثرهم تعرّقا وتوتّرا”.

فضيحة في المضمون:
كانت المحاور الّتي تعرّض لها لقاء” ستّون دقيقة” منتظرة ومواضيعه متوقّعة وكان من الممكن لأيّ طالب متوسّط في الثّانوية العامّة أن يتهيّأ لها غير أنّه كطالب تعوّد الغشّ عمل على أن يتحصّل على الأسئلة مسبّقا وهو ما لم يتمكّن منه لتكون إجاباته فضفاضة ومتناقضة ومقيمة عليه حجج التّهم بدلا من دحضها. والمفاجأة الوحيدة هي استحضار مجزرة رابعة، وهو عوض دفع تهمة مسؤوليته المباشرة عنها فقد أقرّ ضمنيّا بتحمّلها حين ناقض الرّواية الرّسمية المصرية بأن برّر الفضّ الوحشي لاعتصام شهد بسلميته الجميع بوجود آلاف المسلّحين وأنّ حجم المخاطر الّتي تهدّد الوطن يسمح بمثل تلك المحرقة، في حين يقرّ وزير الدّاخلية السّابق محمّد ابراهيم في تقريره بضبط خمسة عشر قطعة سلاح لا غير، وفي تبريره للواقعة يقرّ السّيسي ضمنيّا بمسؤوليته المباشرة عن أفظع مجزرة في تاريخ مصر، جريمة لا تسقط بالتّقادم وسيجرّ يوما ليحاكم عليها.

أمّا فيما يخصّ إنكاره للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الّتي تضاعفت منذ انقلابه على أوّل رئيس شرعي منتخب تشهده مصر، فهو بمثابة الإقرار بذلك إذ أنّ ظلمه وطغيانه تجاوز معارضيه ليشمل حتّى من كانوا مناصريه ليتحوّل نظامه إلى أكثر نظام قمعي في تاريخ مصر الحديث كما أفاد بذلك ” أندرو ميلر” مسؤول الأمن الوطني الأمريكي السّابق.

استهجن السّيسي رقم الستّين ألف معتقل في السّجون المصرية، المعلن من قبل منظّمة “هيومن رايتس ووتش” متّهما إيّاها بالتّضخيم وجهلها بمجريات الأمور بل وأنكر بكلّ صفاقة وجود أيّ معتقل سياسي في مصر وكأنّ الرّئيس المصري الشرعي محمّد مرسي والوزير باسم عودة والدكتور البلتاجي والدكتور عصام العريان والدكتور محمّد بديع والأستاذ عبد المنعم عبد الفتوح والدكتور حازم عبد العظيم وغيرهم آلاف، اعتقلوا لأجل مخالفات مرورية أو بسبب جنح بسيطة. ولعلّ الأرقام الحقيقية لأعداد المعتقلين السّياسيين تفوق المائة ألف مع مئات حالات الاختفاء القسري ومئات التّصفيات خارج إطار القانون باسم مكافحة الإرهاب الّذي كان محتملا فصار واقعا معاشا.

وبالعودة إلى ما ذكره السّيسي حول عمق العلاقة مع “إسرائيل” وبكونها لم تكن أفضل ممّا عليه اليوم، تنسيقا ومتانة فهو ليس بالأمر الجديد بل جهر علنا بما كان يثار سرّا محرجا بذلك من اتّخذ استعداء “إسرائيل” فزّاعة من قوميين وعروبيين مزيّفين صمّوا آذاننا بعويلهم الإيديولوجي الأجوف ومن مازالوا يروّجون للسّيسي كبطل قومي ويحاولون استنساخ تجربته في أجزاء أخرى من الوطن العربي. فالسّيسي لم يكتف بدور الحراسة لحدود “إسرائيل” بل تجاوز ذلك باستدعائها لتشاركه تقتيل وتهجير جزء من شعبه في سيناء متذرّعا بإرهاب هو صانعه وهو سبب وجوده واستمراره.

كانت الستّون دقيقة كافية لتعرّي ستّون عاما أو يزيد من واقع الخسّة والمهانة الّذي تعيشه مصر مخصوصا والوطن العربي بصفة عامّة، واقع مرير سببه الأساسي الاستبداد تعمّق في السّنين الأخيرة ببروز جيل جديد من المستبدّين السّايكوباتيين الأغبياء. كانت ساعة، وقد حاولوا منع بثّها قدر الاستطاعة، لكنّ الضّرر حصل وتكشّف المشهد بما فيه من قبح وفظاعة، كانت ساعة كافية بأن تكشف الدّجل والكذب وكلّ أساليبهم الخدّاعة.. من جيش مطبّلين، وكم من صحيفة وتلفاز وإذاعة، كانت ساعة تشير إلى أنّ الظّلم حتما إلى زوال وأنّ النّصر كذلك صبر ساعة.

شاهد أيضاً

ما بين الدكتورين مرسي والمرزوقي

فتحي الشوك بكت القلوب حرقة وتألّمت لوعة وجاشت الصّدور وجعا وفاضت العيون حزنا لفراق انسان ...

كيف قتل الدّكتور مرسي ؟

فتحي الشوك ومات الرّئيس الشّرعي محمّد مرسي، مات الحرّ الأبيّ، الطيّب الصّادق الشّجاع، مات وهو ...