مقالات

مع نساء سوق "صانبديون" في "دكار"

بشير العبيدي
/|\ #بسمة_اليوم.
يومان قبل أن أغادر بلاد “السّيليغان”، مثلما تسمّيها أمّي، تناهى إلى مسامعي حديثٌ مشوّق عن سوق للسّمك لا تدخلها إلا النساء، اسمها سوق صانبديون. فطلبتُ من مرافقي أن يصطحبني لكي أزور المكان فقبل، وصلينا العصر، ثم اتجهنا ناحية البحر.
ولأنّني لا أحب أن أتخيّل الأماكن قبل زيارتها لترك فرصة لإدهاش نفسي، فقد هالني حين وصلنا أن أرى ساحل المحيط الأطلسي المهيب، وضخامة الحيتان المنضّدة على الطاولات في سوق صنبديون مباشرة على رمل الساحل، ووكانت السّوق تعجّ بالنسوة الجالسات أو الماشيات، وكان خلف كلّ طاولة تجلس امرأة سنغالية على دكّانة أو كومة صناديق، وعلى رأس كلّ امرأة منهنّ قلنسوّة عظيمة ملوّنة كأنّها قِدر مقلوبة على رأس ربوة، وبيد كلّ امرأة منهنّ عصا طويلة في طرفها سيور السعف، تذبّ بها الذبّان أن يتكدّس على مناخير وأعين الحيتان أو زعانفها وذيولها ! وعلى كل واحدة منهن ثوب فضفاض بألوان زاهية وأشكال متداخلة، ثوب متدحرج عن أكتافهنّ، ولا يأبهن بأي شيء لهن تعرّى بنفخة الرِّيح ! ولقد كانت أصوات النساء بلهجة الولوف ممّا لا يميّز منها السّامع سوى طبطبات تشبه النقر على الطّبل، وهنّ يتفاوضن على بيع أسماكهنّ التي صادها رجالهنّ من المحيط الأطلسي المحاذي.
وتحت سكرة الاندهاش، ذهبتْ فطنتي، وتناولت جهاز التصوير، وما كدتُ أتلقّط وضعيّة واحدة للمرأة التي تجلس قدّامي في أوّل طاولة في مدخل السوق، حتّى صاحت بي صيحة خمّدت مفاصلي، ورفعت عصاها في وجهي مهددة أن أعطيها جهاز التصوير ! فقلت لمرافقي، ماذا تقول هذه؟ فقال لي : هذه قهرمانة السوق، تطلب جهازك لمحو الصورة التي التقطها، ففتحتُ الجهاز وأريتها الصورة فقالت احذفها ! فامتثلت ! وقالت غاضبة : أنتم البيضان تأتون هنا تلتقطون صورنا وتنشرونها في المجلات والصحف ! ما أخسّ تفكيركم ! لن تصوّر ! فأخفيتُ المصوَّرة وهممت بالدخول إلى السوق، فصاحت بي ؟ إلى أين ؟؟ قلت : أريد الدخول اإلى السوق ! قالت : أجنبي لا تدخل ! فتدخل مرافقي السنغالي واستعطفها أن تتركني أدخل. فقالت له : صاحبك مسلم؟ قال : نعم ! قالت : عليه أن يتلو شيئا من القرآن كي أتثبت ! فتلوت عليها الفاتحة بصوت جهوري، وبدأت في خواتيم البقرة، فقالت حسبك ! (صدك الله عزيم) ادخل ! السلام عليكم !
فدخلتُ إلى سوق صنبديون، فإذا بالمناظر تمحو بعضها البعض، كلّما شاهدتُ عجبا، محاه عجبٌ ! وكان من بين أمتع المتع التي عشتها، تجوّلي في تلك السّوق النسويّة ببدلتي وقميصي الأبيض وحذائي الملمّع، ولم أضجر حتّى مالت الشمس إلى الغروب في المحيط، واحمر الأفق والشفق ! فلما ارتفع صوت المؤذن لصلاة المغرب، استحثني صديقي أن نخرج ونتجه صوب بيت قصديري اتخذه صيادو الأسماك مصلى، فقصدنا مكان الصلاة بعد أن مررنا مجددا من أمام القهرمانة التي حيّتني بعصاها وهي علامة الرضا !
الوضوء العجيب !
لمّا وصلت ناحية المصلى القصديري، تحركت بطني ولم أجد مرحاضا، فلا يوجد هنا مرحاض ! فاكتفيت بالصبر، وملأت سطلا بلاستيكيا بالماء من حنفيّة هناك، وبحثت أين يمكنني أن أتوضأ، فرأيت حاشية الساحل مبنية فجلستُ عليها وهممت بالوضوء، فإذا بامرأة من السوق الذي كنت فيها جاءت على يميني ووضعت سطلها بين رجليها، ونزعت قلنسوتها ووضعتها بجانبي، وقلّصت أكمام ثوبها على أكتافها، وطفقت تتوضّأ وهي تذكر الله بلغتها ! وما كدتُ أستفيق من صدمتي هذه، حتى أتت صاحبة لها وجلست بجانبي الأيسر تحادثها بصوت مرتفع وأنا بينهما ببدلتي الباريسية الأنيقة، وقميصي الأبيض، وجواربي الإيلنلدية من نوع بيار كاردان ! ثم التحق رجال ونساء وجلسوا كلهم على حافة الجدار يتوضؤون -رجالا ونساء- ويتقاصّون أخبار يومهم ! ولقد كنت في ذلك المشهد كأنني طفل صغير خجل، لأن أهله يهمون بختانه ! فانسللت من بين الجمع الكريم والتحقت بالمصلى القصديري القريب، ونسيت وجع بطني وما عدت أفكر في المرحاض أصلا ! ولله في خلقه شؤون !
إقامة الصلاة
أقيمت الصلاة في مصلى صنبديون، على وقع عجمة (أجحد أن لا إله إلا الله)، فالهاء مقلوبة ههنا، والتحق الجمع الذي كنت بينهم أتوضّأ، ووقف الرجال والنساء جنبا إلى جنب للصلاة، وكان على يميني المؤذن، وعلى شمالي طفل صغير، بجانب أمّه، ثم بدا للصبيّ أن يتركني لوحدي وينصرف يعبث قبل نهاية الصلاة، فقامت أمّه بسدّ الفجوة… ومن المؤكد أنها فعلت ذلك لسدّ الباب على الشيطان أن يحلّ بيني وبينها ضيفا !
ما استطعت التركيز في صلاتي بسبب اهتزاز عوائدي الثقافية، فانشرحت إذ سلم الإمام، وانسللت من بين الصفوف الثلاثة، وتركت النسوة يتنفّلن ويذكرن الله، أما أنا فقد اكتفيت بالفريضة، وتقبل الله مني ومنهنّ ومنا جميعا، ولله عاقبة الأمور !
التيرانغا … حتى في مطار دكار !
كانت صديقة لزوجتي تحضن ابنتي في صغرها، وهي امرأة من السنغال كانت تدرس في فرنسا. وقبل أن أغادر داكار في رحلتي الثانية، تواعدنا أن أزورها للعشاء وأتعرف على أسرتها، وكنت في غاية السرور بذلك!
فلما كان آخر يوم في عملي، قبيل المغادرة بدقائق، حصل مكروه في العمل لم أعرف له في حياتي المهنية مثيلا ! لقد تعطّل الحاسوب الخادم الذي نصّبت عليه جميع البرامج، وذلك بعد خطأ في الإقلاع من إحدى التقاسيم المتساندة في نظام التشغيل. فقضيت الليلة كاملة مع المهندسين في إصلاح العطب، وتدخل مهندسون من زملائي في فرنسا، وذقنا الأمرّين ولم نستطع إصلاحه، واقترب موعد الرحلة للعودة إلى فرنسا، مع استحالة تغيير بطاقة الركوب ! فكان ذلك دافعا لإلغاء العشاء عند السيدة السنغالية التي أتعبت نفسها هي وزوجها وأحضرت من المأكولات السنغالية ما لم يلح لي خبره في حلم ! فاتصلت معتذرا ومسلما !
غير أنني حين وصلت إلى المطار وجدت السيدة السنغالية وزوجها الصحفي في انتظارنا ! لقد والله جلبوا الطعام كاملا في سيارة، وبسطوا مفرشا على الأرض ووضعوا الصحون والكؤوس والطناجر، وقاسماني أن آكل من كل صحن لقمة وأشرب من كل عصير جرعة!
لقد كان المشهد غير مسبوق، ولم يتردد زوج السيدة السنغالية أن يذهب إلى الاستقبال في المطار يستحثهم أن يقبلون وصولي المتأخر بحجة أنني أتذوق الأطباق السنغالية على أصول التيرانغا السنغالية ! أي كرم هذا !
من كتاب “نوادر الأيام” دار اليراعة باريس
✍🏽 #بشير_العبيدي | ربيع الثاني 1440 كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أَمَلاً |

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock