السبت , 23 مارس 2019
الرئيسية / مقالات / الإرهاب: فنّ صناعة الطاغية

الإرهاب: فنّ صناعة الطاغية

محمد المولدي الداودي

صناعة “الجهاد والجهاديين” فن من فنون الأنظمة العربية المستبدّة بشعوبها وشكل من أشكال الاستجابة لخيارات القوى الكبرى المتحكّمة استراتيجيا في مسارات السياسة العالمية وتوجهاتها السياسية والاقتصاديّة.

في الحرب الأفغانية السوفيتية كان “الجهاد الأفغاني” خيارا لممالك الخليج عبر الدعاية والتمويل والمساهمة في القتال المباشر من خلال إرسال المتطوعين وفي هذه الحرب امتزج الفعل القتالي بالفعل المخابراتي عبر آليات الاختراق والتوجيه وتحديد المكاسب الاستراتيجيّة ووضع خطط التخلّص من المقاتلين بعد استكمال المهمات الظاهرة والخفية وكثيرا ما تتعلق خطط التخلّص من “الخطر الجهادي” عبر الحروب الأهلية بين الجماعات المختلفة في الرؤى والمصالح وهذا ما حدث فعلا بعيد انسحاب السوفييت من بلاد الأفغان.

في الحرب الإيرانية العراقية ذات الثماني سنوات تطوّع كثير من العرب وانخرطوا في مجريات هذه الحرب وفق رؤية قوميّة مذهبية وبعضهم قاتل مع العراقيين دفعا للخطر الفارسي ودرءا لتصدير “الثورة الإسلامية” وبعضهم قاتل مع الإيرانيين استجابة لفتوى المرجعيات وانتصارا للطائفة والمذهب ولا ننسى تحالف نظام حافظ الأسد مع الإيرانيين في مواجهة النظام البعثي في العراق.
بعيد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية كانت تلك المجموعات من المتطوعين العرب عناصر بنائية لتشكيلات مسلّحة مرتبطة بالنظامين الإيراني والعراقي أو عناصر مخابراتية دعائية في بلدانها للنظامين البعثي أو الخميني.
بعيد غزو الكويت ومع بداية الحرب توجهت جحافل من المقاتلين العرب نصرة للنظام العراقي وتوجهت كذلك جحافل من العرب الشيعة المشرّدين في إيران ولبنان لمقاتلة النظام العراقي وإنهاكه وإسقاطه وكانت هذه المجموعات المنتصرة للنظام في مواجهة العدوان “الثلاثيني” قوميّة سنيّة جمعت بين التوجّه القومي والحماسة الدينيّة أما العرب الشيعة فاختاروا إنهاك النظام والمساهمة في إسقاطه (الثورة الشعبانية سنة 1991).
بعيد سقوط بغداد وتفكّك الجيش النظامي وتحلّل المكوّن السني بدأت موجة ثانية من “الجهاديين العرب” في القتال في العراق في المناطق السنية وجمعت هذه المجموعات الجهادية المتطوعين الجهاديين وبقايا الجيش النظامي السنّي.
الحالة “الجهاديّة العراقيّة” في مواجهة الوجود الأمريكي “الصليبي” أو مواجهة “الحكومة العراقيّة” الصفويّة كانت مزيجا من التوافق الإقليمي الداعم وإن بشكل خفي خاصّة النظام السوري الذي عمل على تسهيل دخول المقاتلين العرب وكثير منهم وجد في سوريا بشّار الأسد منطقة آمنة للتدريب والاختفاء والتسليح والتمويل وكانت مخابرات الأسد جزءا مهما في تشكيل هذه المجموعات وتوجيهها والاستفادة من عملياتها في إطار الصراع مع الوجود الأمريكي في العراق.

لا ننسى قبيل موجة الثورات الشعبية العربية حجم الخلاف بين الحكومة العراقية والنظام السوري حول مسألة دعم “الإرهابيين” في العراق وقد اتهم رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي نظام بشّار الأسد بدعم “الإرهابيين”.
اختراق المخابرات السوريّة والتعامل مع قيادات العمل “الجهادي” في العراق كان معلوما للكل وحجم استفادة النظام السوري مع هده الجماعات “الجهادية” كان بيّنا في الصراع السياسي مع الأمريكان إذ أنّ إنهاك الوجود الأمريكي في العراق وإرباكه هو عنصر تعديل للسلوك الأمريكي في علاقته بالنظام السوري.
القوى الكبرى المتناقضة في المصالح كانت مستفيدة إلى حدّ ما من الحالة ” الجهاديّة العراقيّة” فروسيا تعمل على تخفيف الجبهة الشياشانية وجعل العراق وجهة جذب جهاديّة وكذلك السعوديّة أما إيران فكانت تعمل على ترسيخ النفوذ السياسي والعسكري في العراق وتحويل مسألة مواجهة الجماعات الجهاديّة إلى ملف تفاوضي يماثل ملف إيران النووي.

بعيد موجة الثورات الشعبية العربية التي انطلقت من تونس ثم انتشرت في ليبيا ومصر وسوريا واليمن كان ملفّ الإرهاب أيسر المسالك لوأد هذه الثورات وإخمادها ولذلك كان المخزون المخابراتي الدولي جاهزا للعمل والتنفيذ وفق آليات تسويغ العمل “الجهادي” عبر تشكيلات دينية مذهبية وشعارات جهاديّة.
في تونس كما في ليبيا ومصر وخاصّة سوريا كان “الإرهاب” معبرا للأنظمة الاستبدادية القمعيّة للعودة والانقلاب على المسار الثوري السلمي.
الدولة العميقة والثورة المضادة المخترقة للجماعات “الجهادية” تمكّنت من إعادة توظيف هذه الجماعات للانقلاب على كل إرادة تحرّر أو كل عمليّة بناء ديمقراطي تماما كما فعل النظام الجزائري المنقلب على الانتخابات سنة 1991.
النظام السوري أعاد تجربة الجزائر بعيد الانقلاب على نتائج الانتخابات وكانت التشكيلات “الجهاديّة” جزءا من خبرته الطويلة في صناعة الإرهاب والإرهابيين مخابراتيا وعسكريا ودعائيا.
الصورة الدعائيّة “الجهاديّة” للزرقاوي الذي كان على صلة بالنظام السوري كان يحمل نفس الملامح الدعائيّة والجهاديّة لأبي بكر البغدادي.
وهكذا يتفق “الإرهابيون” المصنّعون في مختبرات المخابرات الدوليّة مع خيارات الأنظمة القمعيّة المستبدّة في وأد حركات التحرّر العربي.

شاهد أيضاً

الغموض: الاستثمار في الخوف وغواية الأشباح

محمد المولدي الداودي (مصطفى خذر نموذجا). ٠ على نحو من أفلام الجوسسة التي غزت قاعات ...

الجهاز السرّي: الحقيقة الغائبة

محمد المولدي الداودي لم يكن الإسلاميون جزءا من مؤسسات الدولة ولا جهازها الإداري بل كانوا ...