الأربعاء , 20 مارس 2019
الرئيسية / مقالات / نيران جاشي شاعلة ميقودة

نيران جاشي شاعلة ميقودة

كمال الشارني

ثمة أحتفال بأدب السجن، لكن ليس ثمة احتفال بلغة أخرى أكثر التصاقا بثقافة السجون في العالم العربي وهي الموسيقى والأغاني والشعر، أجمل قصائد أحمد فؤاد نجم مع الشيخ إمام عن السجن، من “أنا رحت القلعة وشفت ياسين” إلى شمس الزنزانة”، مرورا بما سجلته في كتاب “أحباب الله” عن غناء السجون في تونس (ص 113): 

يجتمع كلّ المساجين أثناء الأعياد الدينية في صدر غرفة السجن حيث تسكن عادة أسرة برجوازية السجن لكي يغنّوا للأمّ خصّيصا ثم للحنين والحرّية ولقصص الحبّ الضائعة، لحبيبة سريعا ما نسيت وعودها وأحبّت رجلا آخر وتزوّجت الذي راودها عن نفسها بعد أن ابتلعتنا السجون. تزوّجت الحبيبة الشرّير الذي لا يمكن أن يكون حاملا لمفهوم الرجولة أصلا في شكله تبعا لتصوّرنا، والذي سننتقم منه عندما نغادر السجن، نغنّي محكومين بمشاعر كارثية مازوشية بأنّ النساء قد نكحت وأن الأبناء قد تشرّدوا بعدنا وأن الأملاك قد نهبت. لم يكن لي لحسن الحظّ أطفال يتشرّدون بعدي ولم تكن لي امرأة بالمعنى الزوجي غير حبّي الكارثي، بيد أنّ المعاني الإنسانية العظيمة التي تنطوي عليها تلك الأغاني كانت تدفع أشدّنا صبرا إلى النشيج، وأكثرنا وقاحة وإجراما إلى الرقّة، تدفع تلك الأغاني إلى حلوقنا بغصّة تدوم أياما ثم أسابيع مثل لقمة تستعصي على البلع. بعد ذلك تظلّ أخلاق المساجين لأسابيع عدّة متوتّرة بسبب ما يخلّفه يوم العيد من توتّر. في أوّل عيد لي في سجن الكاف، أبحث عن البكاء في عيني، أتوسّل إليه في قلبي فلا أجده، هل جفّت العيون أم أن قلبي لم يعد ملكي؟
“جميلة ماكي قلت لي،
نبقى بعدك سبع سنين،
اليوم أنت بدلتيني
وعشقت غيري في الحين،
بدّلت غيري وعشقتي
وجاءني خبرك كي ملّكتي
اليوم الحبس ربطني
ماني نروّح بعد سنين”.
أو
“نيران جأشي شاعلة موقودة،
على جدي غزال عينه سوده،
تخلص وحلي،
نخرج من الأحباس ونوصل محلي
وجميع الأحباب تجي وتفرحلي
أما عدواني محمسة وميقودة،

•••

بالله نصبر،
آش ينفع التخمام في إلي مقدّر،
مكتوب ربي على الجبين مسطّر،
أيام السجن محسبة ومعدودة
أو
“لا جاني جواب توه مدّة،
من عند الأحباب توه مدّة،
هكه ربي راد توه مدّة،
ربي يعفو بي”.
أو
“ما صابني حمامة،
أنا نطير ونعلي،
نطير ونعلي،
نوصل خليلي
نشوفه ونولي”.

كم أحبّ أن أطير عاليا، أن أحلّق فوق روابي دير الكاف وجباله الشامخة، المعمّمة بثلوج شتاء 1985، أن أراها لاهية في حوش بيت أهلها مثلما تراها الملائكة والحمائم والصقور من السماء، أن أراها وأعود إلى السجن، أرى حتى خيالها من بعيد، تهرب روحي كلّ مساء لتقف في طريقها، تغنّي لها وترقص شوقا، تنظر إن كان في وجهها ملامح رجل آخر، تهدي لها ورودا وأزهارا غير مرئية ثم تعود إلى السجن.
تتحوّل العديد من الأغاني إلى أساطير يختلط فيها النصّ الأصلي للأغنية وأسباب تأليفها مع إضافات المساجين كلّ تبعا لأحزانه ومآسيه فتضاف لها أبيات جديدة وتصبح تراثا من تراث السجن حتى يضمحلّ أصلها. وفي الأعياد ومناسبات الشوق والأمل في العفو الحكومي، يصبح كل المساجين فنانين بفعل التوق الصادق إلى الحرّية. في تلك المناسبات، يسمح أعيان الغرفة لبقية المساجين بالجلوس في “الصدر”، صدر الغرفة حيث لا يوجد عادة إلاّ أعيان المساجين وعتاة المجرمين، تتحرّك القرائح فتفعل فعلها في الجميع. “الصدر” هو المنطقة الأكثر أهميّة في الغرفة حيث يوجد التلفاز وحيث “يسكن” الأغنياء والأعيان. يقولون في السجن “يسكن”، ولا يقولون “يوجد فراشه”، لأن المسجون يقضي في نفس الفراش أعواما أحيانا مثلما يقضي الإنسان أعواما في السكن في حيّ من مدينة. يظلّ “الصدر” دائما مكانا لبرجوازية السجن التي يبلغ نفوذها حدّ إبعاد الأسرّة قصد إيجاد فضاء فارغ للهوها وسلطتها لا يدخله عموم سكّان الغرفة. يدفع أغنياء المساجين ثروات حقيقية مقابل أن يحظوا بفراش في صدر الغرفة. هذه الغرف صمّمت في الأصل لتحتمل ثلاثين أو أربعين سجينا على الأكثر لكنّها في تلك الأعوام الشيطانية كانت تؤوي أكثر من مائة وثلاثين سجينا في سجون الكاف وتونس والقصرين بما يعطي صورة عن طبيعة العيش فيها.

شاهد أيضاً

حيرة الجنرالات، احتمالات الشارع

كمال الشارني العسكر في الجزائر متحمسون للتغيير وحتى للديموقراطية نفسها التي تتنافى منطقيا مع وجود ...

خبير أمني “من الجماعة إياهم”

كمال الشارني خبير أمني وباحث في الشؤون الأمنية (من الجماعة إياهم): “تونس تعيش مرحلة التّطبيع ...