تدوينات عربية

أريد شراء إبني…

فهد شاهين

عبارة مؤلمة جدا كانت فاتحة لحديث شجن عابر …

أنا حاليا مشغول بجمع 2 مليون ليرة سورية كي أدفعها لمن حرقوا قلبي وأبعدوني عن إبني
إنه المبلغ المطلوب لإطلاق سراح ولدي الوحيد الأسير في سجون الأسد… اعتقل منذ عدة سنوات بعد إحدى المظاهرات في ضيعتنا. منذ شهر عاد الأمل لي بعد أن فارقني لمدة طويلة… وصلني خبر بأنه حي وهو موجود في مسلخ صيدنايا عفوا لمن لا بعرف سجن صيدنايا لقد أخبرني محامي سوري بأنه علي دفع مبلغ 2 مليون كي أرى فلذة كبدي يخرج من الشرنقة للحرية…
هكذا تكلم أبو مروان 54 عاما بحرقة وألم بعد أن تعارفنا في محطة أمنيات الفاتح بإسطنبول مدينة الألف مئذنة عندما كنت أنتظر القطار الذي يبدو أنه تأخر عن قصد لأستكمل هذه الرواية.
بدأ الحديث عندما لفت نظره كتاب المرلق فراس السواح (الوجه الآخر للمسيح).
سادت لحظة صمت مع تنهيدة ليخبرني بعد ذلك بأنه قرأ له تسع كتب فكان أول كتاب مغامرة العقل الأولى وأجملها آرام دمشق وأفضلها ملحمة جلجامش.
في أثناء هذا التواصل الفكري والأدبي الذي بتنا نفتقده هذه الأيام عرفت بأن هذا الأب المكلوم من القلمون الشرقي.

هذه قصته
كان عندي بيتين وسيارتين كله تدمر وتبعثر كما أوراق أحلامنا، خسرت كل أملاكي في سورية وأعيش في اسطنبول منذ ثلاث سنوات، أعلم عزف الجيتار تركض أصابعي على أوتاره لأعزف لحن القهر وأعيش بين سطور التغريبة السورية التي ركضت مسرعة خلف أختها التغريبة الفلسطينية ليتعانقا ويركبا معا قطار الغربة..
يؤكد أبو مروان بأنهم كسوريين لا يمكن أن يعودا للعيش مرة أخرى تحت حكم طاغية الشام، لقد دمر بلدتي لم يبق لا حجر ولا بشر، سرقوا أمالنا بحياة جديدة خالية من الظلم.. شردونا.. مزقوا نسيجنا الأسري
عائلتي الآن موزعة بين تركيا وألمانيا ولن نعود أبدا، أخي طبيب أعتقل قبل سبع سنوات ومنذ شهرين تلقينا نبأ استشهاده تحت التعذيب، تقطعت أنفاسه ودمعة خجولة غابت خلف جدران الصمت وقال :
ما بدي ابني يصير معو نفس الشي
وعندما سألته هل دفعت المبلغ اللازم لشراء إبنك أجاب:
الوسيط وعدنا بذلك هو يجمع من معظم العائلات 2 مليون للإفراج عن أولادهم وقد خرج سابقا إبن صديق لي بنفس الطريقة.
سألته هل هذا المبلغ مطلوب من كل عائلة معتقل ؟
أجابني:
لا هناك أهالي يطلب منهم أكثر بكثير أنا إبني تهمته مظاهرة وهذا ثمنه عفوا المبلغ المطلوب بما أننا أصبحنا سلع للبيع، أسفي على من كان إبنه ممن أكملوا الطريق بقتال هذا الأخطبوط أولئك لو باعوا أنفسهم للشيطان لما استطاعوا تحرير أبنائهم…

نعم.. عدة دقائق كانت كفيلة بأن أتعرف على نفسي مع هذا الأب الحزين..
نعم.. أكد لي بأن كل عبارة صدح بها الثوار كانت صادقة وبالفعل فلسطيني سوري واحد.. جرح واحد…
نهاية مؤلمة قاسية هشمت روحي وأنا أودعه..

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock