الثلاثاء , 18 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات / مستقبل السعودية في ضوء تنازع الإرادات الدولية حول مقتل خاشقجي

مستقبل السعودية في ضوء تنازع الإرادات الدولية حول مقتل خاشقجي

إحسان الفقيه

بدت الإدارة الأمريكية أكثر اهتماما بقضية مقتل جمال خاشقجي، الصحافي السعودي المقيم في الولايات المتحدة والكاتب في جريدة “واشنطن بوست” من قضايا “اختفاء” مماثلة إلى حد ما على الرغم من تداعياتها على الشراكة مع السعودية في الحرب على الإرهاب في المنطقة واليمن والقرصنة في البحر الأحمر، والتصدي للتهديدات الإيرانية والدور الإقليمي السعودي في مبادرة السلام في الشرق الأوسط، إلى جانب العلاقات الاقتصادية في مجال صفقات التسليح والطاقة التي تلعب السعودية دور المتحكم في استقرار أسعار النفط في السوق العالمية.

حوادث مماثلة لمقتل خاشقجي قادت إلى تصور جديد يؤشر لانهيار واضح في الأعراف الدولية والعلاقات بين دول العالم واحترام المواثيق المتفق عليها؛ اعتقلت الصين بشكل غامض مواطنها مسؤول الشرطة الدولية “الإنتربول” ونفذت إيران محاولات اغتيال في باريس والدنمارك ضد معارضين لها، كما أن روسيا الدولة العضو في مجلس الأمن الدولي، أقدمت على تسميم أحد موظفي استخباراتها السابقين الفار من روسيا إلى بريطانيا، وحوادث أخرى لم يلتفت إليها المجتمع الدولي بشكل جاد قد تكون حفزت المسؤولين السعوديين على المباشرة بجريمة قتل جمال خاشقجي.

على الرغم من التاريخ الطويل في سلوك الولايات المتحدة غير المكترث بانتهاكات حقوق الإنسان من قبل الأنظمة الاستبدادية طالما أنها أنظمة حليفة أو شريكة، أو ترتبط معها بمصالح ذات أهمية للاقتصاد والأمن القومي الأمريكيين؛ إلا أن أصواتا في الإدارة الأمريكية تحاول استثمار مقتل خاشقجي لاستعادة الأسس التي قامت عليها الولايات المتحدة في رعاية حقوق الإنسان حول العالم والتبشير بالديمقراطية.

لا يبدو هناك الكثير من الأصوات داخل الإدارة الأمريكية راغبة في فرض عقوبات على الدولة السعودية، إنما الاقتصار على معاقبة أفراد متهمين بالمسؤولية عن مقتل خاشقجي الذين أعلنت الولايات المتحدة عن عقوبات شملت 17 شخصا سعوديا، ليس بينهم نائب رئيس الاستخبارات السعودية اللواء أحمد عسيري.

في آخر بيان للنيابة العامة السعودية أعلنت أنها وجهت التهم لـ 11 شخصا من الموقوفين في قضية مقتل خاشقجي من أصل 21 موقوفا يخضعون للتحقيق، مع مطالبة المحكمة الجزائية التي تنظر بالقضية بإصدار أحكام الإعدام على من أمر وباشر بالجريمة وعددهم خمسة أشخاص، وإيقاع العقوبات “الشرعية” بالبقية.

ثابت في السياسة الخارجية الأمريكية ازدواجية المعايير وانتقائية التعامل في ملف حقوق الإنسان حول العالم؛ وكثيرا ما استخدمت الولايات المتحدة انتهاكات حقوق الإنسان من قبل بعض النظم الاستبدادية كوسيلة ضغط على هذه الأنظمة لتحقيق مصالح خاصة لها.

تتباين التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، لصحيفة “الشرق الأوسط”، الثلاثاء 20 تشرين الثاني/نوفمبر مع مجمل ما صدر عن مسؤولين أتراك وأمريكيين أشارت ضمنا إلى مسؤولية مباشرة لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بجريمة مقتل جمال خاشقجي، وضرورة محاسبته.

الوزير السعودي كشف عن أن السلطات التركية أكدت للرياض رداً على استفسارات “على أعلى المستويات”، أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ليس هو المقصود بالتصريحات التركية التي تتهم “شخصية رفيعة” بإصدار الأمر بتصفية المواطن السعودي جمال خاشقجي.

ودعا أنقرة إلى تقديم ما لديها من أدلة في القضية إلى النيابة العامة في المملكة؛ للمساعدة في الوصول إلى الحقائق كافة.

هناك إرادة دولية للالتفاف على تحميل محمد بن سلمان مسؤولية مقتل خاشقجي بأمر مباشر منه تدل عليه معطيات كثيرة، أبرزها أن قرارا كهذا يتخذه مقربون منه، المستشار السابق سعود القحطاني، أو نائب رئيس الاستخبارات السابق احمد عسيري أو غيرهما، دون استئذان أو علم بن سلمان شخصيا؛ وهذا وفق أدنى فهم للتراتبية في تلقي الأوامر وتنفيذها.

لكنّ، الوزير عادل الجبير اعتبر ما يتم تداوله في الصحف الأمريكية نقلا عن مصادر تحدثت عن “استنتاج” توصلت إليه وكالة المخابرات الأمريكية أفادت بأن ولي العهد “أمر” بقتل خاشقجي، اعتبر أنها مزاعم “لا أساس لها من الصحة تماما ونرفضها بشكل قطعي”؛ الجبير عدّ “الاستنتاج” مجرد “تسريبات لم يعلن عنها بشكل رسمي”، وهي “مبنية على تقييم، وليس أدلة قطعية”.

تعدد المصادر وتنوع التسريبات وعدم نسبتها لمسؤولين بعينهم، أثار حالة من الضبابية في فهم المواقف الحقيقية للأطراف المعنية بأزمة مقتل خاشقجي.

نقلا عن “مصدر” في البيت الأبيض، نشر موقع   “Axios” الأمريكي أن دونالد ترامب اعترف خلال جلسة استشارية مع مساعديه قبيل خطابه الأخير، أن “قضية خاشقجي أخذت أكبر من حجمها، وأنها أثارت الرأي العام العالمي بشكل كبير، وهي بالتالي لا تستأهل كل هذا الضجيج الإعلامي حولها”.

وحسب المصدر، الذي نقل كلامه الموقع الأمريكي، إن ترامب تساءل حول الاهتمام الزائد للإدارة الأمريكية بالموضوع طالما أن خاشقجي “ليس مواطناً أمريكياً”.

قد لا تقتصر تداعيات مقتل خاشقجي على العلاقات السعودية الأمريكية أو السعودية التركية، بل تتعدى ذلك إلى الداخل السعودي ومستقبل ولي العهد، الذي لا تزال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تدفع باتجاه عدم اتهامه بالمسؤولية المباشرة عن مقتل خاشقجي على الرغم من أصوات عالية في الكونغرس الأمريكي تطالب بحزمة عقوبات تطال المسؤولين عن الجريمة، من بينهم ولي العهد.

التصريحات الرسمية التركية تسير باتجاه إثبات تورط محمد بن سلمان بشكل مباشر بجريمة مقتل خاشقجي، حيث كرر مسؤولون أتراك، منهم الرئيس رجب طيب اردوغان، القول بأن القتل كان “مدبرا، وأن الأمر صدر من أعلى مستوى للسلطات السعودية” من دون الإفصاح عن اسم أي مسؤول في الوقت الذي “لا يعتقد” الرئيس التركي أن “للأمر علاقة بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز”.

في السياق، وفي تصريحات وزير الخارجية السعودي، الاثنين، أشار إلى أن “تركيا أكدت لنا بشكل قطعي أن ولي العهد ليس هو المقصود” بالتصريحات التركية التي تؤكد مرارا على أن المسؤول عن قتل خاشقجي هو من “أعلى مستوى للسلطات السعودية”.

على الصعيد الداخلي لا تبدو انعكاسات قضية مقتل جمال خاشقجي جلية بما يتعلق بمستقبل ولي العهد محمد بن سلمان. إلا أن تقارير نقلتها وكالات أنباء عالمية هذه الأيام، منها “رويترز”، وفقا لثلاثة مصادر مقربة من القصر الملكي، تحدثت عن أن ولي العهد “يواجه موجة غضب متزايد من بعض أفراد العائلة الحاكمة بسبب سياساته، والتقارير التي تشير إلى احتمال تورطه في قضية مقتل خاشقجي”.

المصادر الثلاثة “استبعدت” أي احتمال لأن ينقلب الأب سلمان بن عبد العزيز على ابنه محمد بن سلمان، لكنها تحدثت عن “رغبة” في أوساط عشرات الأمراء من أبناء عمومة ولي العهد لتغييره وإعادة صياغة ما يتعلق بآليات انتقال الحكم التي حددتها هيئة البيعة “المعطلة” عن العمل منذ إقصاء ولي العهد السابق محمد بن نايف وتولية محمد بن سلمان وبقاء منصب ولي ولي العهد شاغرا.

وهناك ميل داخل العائلة الحاكمة لتمكين الأمير أحمد بن عبد العزيز، شقيق الملك سلمان، من خلافته بعد وفاته لقطع الطريق أمام وصول محمد بن سلمان للحكم، والذي لا يمكن إقصاؤه طالما الملك سلمان على قيد الحياة، وفقا للمصادر نفسها التي تحدثت لوكالة “رويترز”.

شاهد أيضاً

من إحسان الفقيه إلى أنور قرقاش

إحسان الفقيه بتحريضه السخيف للقطرين على قيادتهم “رمتني بدائها وانسلت”، أصل هذا المثل العربي كما ...

إطلاق رصاصة الرحمة على أي تطلعات خليجية

إحسان الفقيه بينما كانت الآمال مُتعلقة بقمة الكويت في أن تكون خطوة على طريق التفاهم ...