الثلاثاء , 18 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات / جبر الضرر ليس تعويض نضال بل إسترداد حق

جبر الضرر ليس تعويض نضال بل إسترداد حق

أبو يعرب المرزوقي

لم أر ولم أسمع في حياتي أنذل من المعرضين بما يسمى التعويض عن النضال.
ذلك أن هذه التسمية هي العلامة القاطعة علة النذالة والحمق في آن.
فالنضال لا يعوض والمناضلون لا يريدون تعويضه لعلمهم أنه عنوان شرف والشرف لا يباع ولا يشترى.
إذن ما الاسم الذي حرفوه باعتماد حماقة قالها مانديلا؟

وسأبين حماقة القولة المنسوبة إلى مانديلا لاحقا.
ولكن فلأبدأ بالكلام على الإسم الحقيقي لما يناهضه هؤلاء الجبناء الذين يزعمون الكلام على الحرية والتنوير وحقوق الإنسان ويقفون هذه المواقف ليس دفاعا عن مالية الدولة -التي لا أحد ينتظر منها التعويض على النضال- بل التعويض عن جرائمها.
هؤلاء الحمقى يعتبرون الجرائم التي اقترفت باسم الدولة -حتى لو اعتبرت أخطاء قضائية- ليست جرائم يترتب عليها تعويض من فقد حقوقه ليس لأنه ناضل بل لأن النضال اعتبر جريمة ممن ينكرون حقوق المعارض فيحاكم بلا عدل ويعذب بلا رحمة ويصبح من يمثل الدولة من بعده يعتبر استرداد الحقوق ليس حقا.
لما كنت مستشارا كنت ضد طرح المشكل في شكل قضية حكومية في لحظة ما تزال فيها الثورة هشة ومالية الدولة في وضع اقتصادي صعب واقترحت جعلها قضية مجتمع مدني يطالب بمعاقبة المنفذين والقضاة والساسة الذين أجرموا لئلا يفلت أحد من العقاب: فهؤلاء أثروا من الإستبداد والفساد أجرا على هذه الجرائم.
فالدولة متصلة وهي تعلم من فعل ذلك وتعلم المقابل الذي نالوه بما حصل لهم من جاه ليقدموا على تلك الجرائم إذ هم لم يفعلوها لأنهم ساديون فحسب بل لأن العمل كان مجزيا إذ هم في ذلك لا يختلفون عن المرتزقة: هل الإرتزاق “بو بلاش”؟

الاسم: ليس التعويض بل معاقبة المعتدين واسترداد حقوق المواطن.
والمشكل الآن ليس في تسمية العملية بل في تسمية المعترضين عليها:
أليسوا من مؤيدي الإفلات من العقاب؟
أليسوا من رافضي استرداد الحقوق للمواطن الذي ظلم بسبب حقه في التعبير أو في الإحتجاج أو في التنظيم والذي حرم من العمل وحرم من التعليم ناهيك عن الإنتهاكات للأعراض والتعذيب؟
هل من طرد من عمله بوشاية من بعضكم -ولعلهم قد صاروا من قادتكم- أو حتى بحقيقة الانتساب لحركة سياسية طلبت الحق في العمل العلني فاضطرت للعمل السري لم يكن ضحية لعدوان الإستبداد والفساد والإستفراد بالمواطنة لأنه هو وحده الذي له الحق في النشاط السياسي والمشاركة في حكم البلاد وتقرير مصيرها؟ ما دافعكم للدفاع عن المجرمين؟
وهل حقدكم على الإسلاميين الذي هو مركب نقص وآلية دفاع نفسي ضد ضياعكم الحضاري كاف لكي تتنكروا لكل حقوق الإنسان ومنها إسترداد الحقوق التي هضمت حتى لو لم يقع إغتصاب للنساء والرجال وتعذيب إلى حد الموت بمجرد التندر بوزن النضال؟
لما قال مانديلا ما قال لم يكن بحاجة لتعويض لأن ما حصل جعله هو وأصحابه النظام البديل لنظام الأبارتهايد.
وهو في الحقيقة أخذ أكثر من التعويض لذلك اعتبرت قولته حماقة. هل يسمح من كانوا “قوادة” المجرمين للإسلاميين الذين لا يحق لهم المطالبة بالتعويض أن يكونوا النظام البديل؟
أم هؤلاء القوادة يرفضون حتى حقهم في الحكم رغم حصولهم على الأغلبية فشيطنتموهم وقمتم بجرائم ضد إقتصاد البلاد وأمنها؟
مشكلكم ليس الخوف على مالية الدولة والإسلاميون يمكن أن يجدوا حلا للتعويض قد يثري الدولة ولا يفقرها كما تفعلون أنتم بإيقاف جهاز الإنتاج والقيام بجرائم تهدد أمن البلاد حتى تحافظوا على “الابارتهايد” ضد الإسلاميين بدعوى الحفاظ على نموذج المجتمع أعني على إستعمار الشعب كأنديجان؟
صار “البوزقليف” يمثل الحداثة ويعتبر الإسلاميين من طبقة دنيا في حين يعلم الجميع أن أحزابكم وجمعياتكم وفننانيكم ومفكريهم كلهم من ماضغي قشور ما تسمونه حداثة وهي لا تتجاوز عندكم التبعية الساذجة المجانسة لانبهار البدوي بأضواء المدينة واستهلاك الفضلات الحائلة دون بناء دولة وتحرير شعب:
نموذج المجتمع؟
افاقي استبلد؟
وأمي استثقف فادعى أن نموذج المجتمع التونسي هو حمقه الحضاري؟
يعني “بشغى” وزميلاتها التي تعلق على وزن النضال حداثية؟
من أين لهن الحداثة؟
هل مجرد “تغيين الراء” للظهور بالتبعية للفرنكفونية ثقافة حداثية؟

لا يتعلق الأمر بتعويض النضال الذي لا يعوض بل بجبر ضرر الدولة التي انحرفت مسؤولة وينبغي أن يسبقه تحديد مسؤولية المنفذين والقضاة والآمرين السياسيين واسترداد كل ما حصلوا عليه من ثروات أجرا لارتزاقهم في العدوان على المواطنين وحقهم في الممارسة السياسة الحرة.
وكونوا واثقين أنكم لو كنتم فعلا صادقين في خوفكم على مالية الدولة لكنتم أحرص الناس على العمل وعدم التخريب ولاعتبرتم إنصاف ضحايا إجرام الإستبداد والفساد تكريما للدولة علما وأن الإسلاميين يمكن أن يستغنوا عن جبر الضرر الرسمي لمن سمح لهم باستعادة دور الزكاة لمساعدة الدولة التي أفلستموها.
كل من يتذاكى فيطلب تقدير ثمن الكيلو نضال أن يسأل نفسه ليس على ثمن كيلو القوادة كما قالت إحدى السيدات بل ثمن كيلو البلادة لأن هذا دليل غباء وليس دليل ذكاء.
لا تتكلموا على الثورة وقيمها لأنكم في الحقيقة فضلات النظام المستبد والفاسد بالأفعال حتى وإن ادعيتم زعامتها بالأقوال.
ربيتم على الذل والمهانة والوشاية بالمواطنين الأحرار الذين ضحوا من أجل كرامة الإنسان ولا تفهمون ما لا يمكن أن ترقى إليه سطحية فكركم أعني القيم الروحية التي يؤمن بها صادق المناضلين والتي هي من جوهر الحرية العقدية والفكرية بخلاف ما تتصورونه حريات وهو في الحقيقة غرائز بهيمية وفقر روحي.
فمن قادته وزعمائه يحتمون برئيس المافية في البلاد لا يمكن أن يفهموا معنى النضال المدني والسياسي ناهيك عن النضال الروحي والوجودي. فهذه قيم لا يمكن أن يعيها من ثقافتهم لا تتجاوز الكتاب الأحمر أو أدبيات توجيهات الرئيس أو حماقات القوميين ممن ربوا على الخنوع للدكتاتورية العسكرية أو مليشيات إيران وإسرائيل المندسين في كل الأحزاب والجمعيات المشبوهة وحتى غير المشبوهة.

شاهد أيضاً

الإسلام السياسي أو تأملات في رؤيته التاريخية واستراتيجيته السياسية

أبو يعرب المرزوقي أطلعني المشرف على حسابي في الفايسبوك على سؤال من صديق في شكل ...

أسرة الحكم السعودية، هل فيها من يمكن أن ينقذ بلد الحرمين ؟

أبو يعرب المرزوقي لا أعتقد أن السعودية ستستفيد في المدى القريب من الفرصة التي أمد ...