الإثنين , 17 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات / حين يفتقد الإنتقال الديموقراطي حاضنته الشعبية

حين يفتقد الإنتقال الديموقراطي حاضنته الشعبية

مهدي مبروك

مع أداء حكومة يوسف الشاهد الثانية في تونس اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، يبدو أن الأزمة السياسية قد خف احتقانها، خصوصا وأن التونسيين باتوا شبه متأكدين أنها لن تفعل شيئاً فيما يتعلق بالمعضلات المستفحلة في بلدهم، خصوصاً الاجتماعية والاقتصادية. فغلاء المعيشة والبطالة وتفشي الجريمة الاجتماعية أصبحت ظواهر ملازمة لحياة التونسيين. وأصبحت الصحف اليومية التي تتربح من أنباء القتل الشنيع والاغتصاب والانتحار تتنافس في اختلاق العناوين المثيرة، في مجتمع اختارت للأسف بعض نخبه الفنية والإعلامية اللعب بالإثارة، ولو كان لعباً مدمراً.

لا حاجة للتذكير بالانتقالات الديموقراطية ومبادئها التي استقرّت على تعدّد نماذجها واختلاف سياقاتها. ولعل أهمها المشاركة والثقافة السياسية الحاضنة لهذا الانتقال، غير أن الصراعات التي شلت أجهزة البلاد حقيقة جرّاء الصراع الذي شجّ رأس السلطة التنفيذية إلى خصمين لم تعد تعني المواطن العادي الذي فقد الحماس لمتابعة مسلسل طويل في من يحكمه الشاهد أو حافظ قائد السبسي، أو أن يتحالف زيد مع فلان.. القرف من السياسي، بعد أن نجح الإعلام في ترذيل السياسة والسياسيين عامة، بما فعل بعضهم، حين تحولت أستوديوهات التلفزات المحلية إلى صراع ديكة، فاقدة الحد الأدنى من الأخلاق، هو ما نفّر الناس من متابعة الشأن العام. وقد تكرّرت، في الأسابيع الأخيرة، مشاهد التلاسن الحاد، حتى وصل إلى تبادل الشتائم والكلام النابي بين وزراء ومسؤولين كبار، ولم ينج البرلمان أخيراً من هذا الكلام النابي والفاحش، ما جعل أعرق جمعية نسائية في البلاد التونسية (جمعية النساء الديموقراطيات) تصدر بياناً تدين فيه ما صدر من نائب يساري من تجريح بزميلته، والتعرّض لحياتها الخاصة.. إلخ.

ساهم هذا المشهد في إنتاج جملة من الظواهر الخطيرة، لعل أهمها انفضاض الناس من حول الانتقال الديموقراطي. لدينا في تونس إحساس أن هذا الانتقال يمتطي قافلةً، يركبها منحرفون ولصوص وبلطجية ومحترفو اللغو وسلاطة اللسان ولوبيات كثيرة، وأن الدولة العميقة على شاكلة المحافل الماسونية هي التي تقودها، وأنها وهي تعبر من محطاتٍ تتحول الاستراحات فيها إلى أسواق كبيرة، فيها كل أشكال البيع والشراء، يعرض فيها الشرف والجاه والمناصب والمغانم، وكل شيء يُباع ويُشترى.

تسمّر التونسيون إبّان الثورة أياماً وأشهراً، يتابعون المشهد السياسي، ويتعلمون قاموساً ومفرداتٍ، ويكتشفون حقائق لم يكونوا يعرفونها. كانت بيداغوجيا مبهرة، حين كان لنا جبال من الأحلام. أما الآن، فالجمهور العريض يعرف كل شيء، ولم يعد يحتاج إلى أن يسمع صراخ السياسيين، فقد فقدَ الثقة. ما إن يفتح المواطن العادي التلفاز، إن استطاب ذلك، حتى يسارع إلى البحث عن برنامج آخر بديل، عندما يجد ساسة يتكلمون، هذا البديل المنشود هو إعلام النفايات وثقافة “الكيتش” اللتين تنتشران بسرعة فائقة، وتجدان رواجاً كبيراً في أوساط الشباب عامة.

يفرّ التونسيون إلى بلاتوهات الألعاب السخيفة والحوارات الماجنة التي تفوح منها لغة لزجة قدّت من إيحاءات جنسية ورداءات وخنث وسخافات. ثمّة موجةٌ من الإقبال الجماهيري على هذه البرامج، ما يترجم عجز النخب السياسية بيداغوجيا عن أن يكون الانتقال الديموقراطي جاذباً قادراً على أن يشكل ثقافةً تهم الناس. يفقد الانتقال الديموقراطي حاضنته الشعبية بشكل تدريجي، فتضيق دوائر المشاركة السياسية وحتى المواطنية التي يُفترض فيها، حسب أدبيات الانتقال الديموقراطي، أن توسع من دائرته، وتضبط شعائر جديدة للسياسة.

فرضيات عديدة في تفسير هذا الانفضاض من حول الانتقال الديموقراطي في تونس، وانحسار حاضنته وتبرّم الناس منه. عجز الثورة عن أن تغيّر واقع الناس، وتحسّن معيشهم. للديموقراطية جملة من الوظائف خارج مهام توسيع حقوق الناس وحرّياتهم. إنها المنافع التي يجنونها منها، إشباع حاجات الناس. حين يتفاقم الفقر، ويتضاعف التهميش، وتتآكل الطبقة الوسطى، حاضنة الانتقالات الديموقراطية، تتحوّل الديمقراطيات إلى مجرد إجراءات شكلية لا روح لها. تتداول النخب الضيقة والمحترفة مهمة الحكم التي لا تعني أوسع الفئات الاجتماعية، ويحدث واسع انجرافٍ في القاعدة الانتخابية السياسية، ما يهدّد أن تتحول اللعبة السياسية إلى مبارزةٍ محصورةٍ في خصمين، وجمهورٍ عريض واسع يشاهدها، إما بلامبالاة أو ببرودة أو برغبةٍ كثيرة في انهزام الجميع. يؤكد مختصو الانتقال الديموقراطي على أهمية المنافع التي تجلبها الديموقراطية لعامة المواطنين، أما اختزالها في مجرّد حقوق، فإنه مدمّر للديموقراطية ذاتها، فحينما تتقلّص منافع الديموقراطية تتقلص المشاركة، وتتحول فئات عريضة خصوماً لها.

يثير عديدون ممن زاروا تونس من الأشقاء العرب والأجانب، وهم يلتقون بالناس البسطاء من سواقي التاكسي، الباعة، عمّال الفنادق وصغار التجار، ذلك الشعور العام بالإحباط والخيبة واليأس، والترحم على زمن بن علي الذي كانت فيه الأسعار أرخص، والأمن مستتباً، والدولة مهابة. ويقيني أن صناعة الحنين لعبة أتقنتها غرفٌ خاصة اشتغلت على هذا منذ الثورة، ونجحت للأسف، حين جعلت عصر الاستبداد والرصاص ذهبياً لأجيال بأكملها. ولكن، ماذا فعلنا لمواجهة هذا الأمر؟. طلبنا منهم التضحية وضحّوا، وتعاقبت سبع حكوماتٍ عجاف، ولم يتغيّر الأمر، بل ساءت أحوال الناس في معاشهم أكثر. سبع سنوات أقلعت فيها أمم. ثمة تداركٌ ضروري قبل الخيبة القاتلة.

شاهد أيضاً

لا يمكن أن أظل على الحياد

مهدي مبروك في مثل مسار العدالة الانتقالية لا يمكن أن أظل على الحياد فأنا منحاز ...

إهمال ولا مبالاة ضاعفت الخسائر

مهدي مبروك تقاعس وإهمال ولا مبالاة ضاعفت الخسائر البشرية والمادية في نابل المنكوبة. اختتمنا مساء ...