الإثنين , 17 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات / العتبة الانتخابية الجائرة

العتبة الانتخابية الجائرة

محمد الهادي تريمش

هل العتبة الانتخابية الجائرة في الانتخابات التشريعية ستنقذ الانتقال الديمقراطي في تونس ؟
بعد إستشارة الدولة التونسية اللجنة الأوربية للديمقراطية عن طريق القانون والتي يطلق عليها إسم “لجنة البندقية” وهي المدينة التي تعقد اجتماعاتها بها، جهاز استشاري لمجلس أوروبا حول القضايا الدستورية.
وقد لعبت منذ إنشائها سنة 1990 دورا فعالا في تبني الدساتير المطابقة لمعايير التراث الدستوري الأوروبي. في البداية وضعت كأداة للهندسة الدستورية المستعجلة في سياق االانتقال الديمقراطي، كما عرفت تطورا تدريجبا ارتقى بها إلى هيئة للتفكير المستقل معترف بها دوليا.
تساهم اللجنة في إشعاع التراث الدستوري الأوربي المبني على القواعد الأساسية للقارة، مع مواصلة ضمان الإصلاحات الدستورية للدول. كما تلعب دورا فريدا في تدبير والوقاية من النزاعات عن طريق وضع معايير وتقديم المشورة في المجال الدستوري.

تمّ اقرار العتبة الانتخابية للانتخابات التشريعية بـ 5%، وصادقت لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية والقوانين الانتخابية على هذا القرار في اطار مناقشة اللجنة لمشروعي القانونين المتعلقين بتنقيح وإتمام القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات والاستفتاء وبضبط مقاييس تقسيم الدوائر الانتخابية وتحديد عدد مقاعدها.

وتعتبر 5% الحد الأدنى من الأصوات التي يشترط القانون الحصول عليها من قبل الحزب أو القائمة المستقلة ليكون له حق المشاركة في الحصول على أحد المقاعد المتنافس عليها في الانتخابات، ولا يدخل الحزب الذي ينال أصواتا أقل من العتبة الانتخابية التي يحددها القانون، مرشحوه حلبة التنافس للفوز بالمقاعد، وتلغى الأصوات التي حصل عليها.

سأحاول التفاعل مع هذا الحدث الذي أعتبره الأهم في مصير الانتقال الديمقراطي بتونس إذ أنه سيكون الأصل في تغيير المشهدين السياسي والنيابي باعتبار أنه جدد في القانون الانتخابي بإضافة عتبة انتخابية مشطة في الانتخابات التشريعية تقدر بـ 5% في ظل عدم تكافؤ فرص الأحزاب السياسية.

لا يغيب عن أحد المتابعين للشأن السياسي والحزبي التونسي الأزمة الخانقة التي نواكبها في ظل ديمقراطية ناشئة والتي نعتقد أنها مصابة بورم السياحة الحزبية والسياحة البرلمانية مما أثر سلبيا على الاستقرار السياسي بسبب أمراض الانتهازية والخلاص الفردي لعديد الناكثين لوعودهم الانتخابية، المقلق حقيقة في هذا الوضع تعمق أزمة الثقة بين المواطن والسياسي (بعد إنهيار إجتماعي وإقتصادي نتيجة سياسات المنظومة الحاكمة) من جهة وبين مؤسسات الدولة من جهة أخرى (الأخطر هو تعمق أزمة الثقة بين الدولة والإدارة التونسية التي هي العمود الفقري للدولة التونسية في الأصل فقد استمرت الدولة بعد ثورة 17 ديسمبر 2010 بفضل صمود إدارتها).

كنا قد ناقشنا مطولا في معهد تونس للسياسة مع كل الفرقاء السياسيين من أحزاب بمشارب مختلفة في حلقات تفكير تعنى بإيجاد حلول لهذا التشرذم الحزبي والنيابي والغموض الذي نعيشه وقد كانت مخرجاتها إجماع على توصيات قيمة أحدها ضرورة التغيير من النظام الإنتخابي بإدراج عتبة إنتخابية تقدر بـ 3% في الانتخابات التشريعية كدواء لهذا المرض السياسي الذي ذكرته سابقا، إلا أنه من المفاجأ أن تصبح التوصيات من مقترح إصلاحي إلى مقترح إقصائي يكون بالضرورة لمصلحة التوافق الحاكم (نهضة – إئتلاف وطني – نداء) مع تنظيمين حزبيين آخرين على أقصى تقدير بتمثيلية ضعيفة (الجبهة الشعبية – التيار الديمقراطي) حسب آخر سبر آراء، يعني على أقصى تقدير سيتكون مجلس النواب في الفترة الممتدة من 2019 إلى 2024 من 5 أحزاب سياسية، لكن من المؤسف إعادة المشهد بتمثيلية معارضة نيابية ضعيفة نظرا لعدم تكافؤ الفرص للأحزاب السالف ذكرها (تنظيميا – مال سياسي – أدوات الدولة) مما ينجر عنه بالضرورة خمس سنوات عجاف أخرى في ظل هاته المنظومة الحاكمة (نهضة وتشرذمات النداء) طالما لازلنا نعيش تحت غطاء الديمقراطية وإن كانت مغشوشة في أغلب تجلياتها السابقة.

من الطبيعي أن يغمر الفرح هياكل ومناضلي وناخبي الأحزاب الحاكمة بهذا التعديل في القانون الانتخابي ويشتد دفاعهم عنه، كما لا أستغرب تنظيمهم لمسيرات ووقفات احتجاجية مساندة لتمريره والمصادقة عليه في مجلس نواب الشعب، إلا أن إستغلال آليات وأدوات الدولة من طرف أحزاب شضايا النداء وحركة النهضة أحد أهم مخاوف الأحزاب السياسية والفاعلين السياسيين في الشأن العام لعدم تكافؤ الفرص فقد واكب كل من نشط في الحملة الانتخابية البلدية في ماي 2018 هذه التجاوزات التي لا تحصى ولا تعد، بل بلغ الأمر إلى مشاهدة رئيس حكومة، وزراء، كتاب دولة… في الأنشطة الميدانية بسيارات وأجهزة الدولة كما أنه ما خفي كان أعظم. كما أنه لا يجدر التغاضي عن رهابة المال السياسي الذي يقع إستعماله دون رقابة سواء كان مقايضة من رجال أعمال تحمي مصالحها وتغض الطرف عن تجاوزاتها في حق الدولة والطبقة الكادحة أو كان أجنبي داعما للتوافق المغشوش الذي يقع إنفاقه في محورين أساسيين هما الإعلام الموجه والحملات الانتخابية.

لا يغيب عن المتابع للشأن السياسي أن عدد الأحزاب الفاعلة والناشطة في هذا المشهد لا يتجاوز عددهم العشرين من أكثر من مئتي حزب والملفت للإنتباه أن هذه الأحزاب الصغيرة كي لا أقول الدكاكين السياسية ستتحد حول موقف يعتبر أن العتبة الانتخابية 5% في الانتخابات التشريعية جائرة وإقصائية وهو ما أتقاطع معها لكن ليس لها في الوضع الراهن لا سلطة ولا جمل إذ سيمر هذا التعديل في القانون الانتخابي بأكثر من 150 صوت بعد توافق مصلحة (النهضة والنداء والإئتلاف الوطني ومشروع تونس). اليوم تعيش هذه الأحزاب الصغيرة تحت سياسة الأمر الواقع وضيق الوقت إذ لم يعد يفصلها عن المحطة الانتخابية التشريعية إلا بضع أشهر، كما يقدر قيادييها خطر ؤجود تنظيماتهم واستمرارية فعلهم السياسي الذي يواجه مصيرهم في ظل دكتاتورية هذا القانون.

عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، هذا رأيي، كلنا نعلم أن هذا المعطى الجديد سيضع الفاعلين السياسيين مكرهين إزاء خيارين إثنين لا ثالث لهما يتمثل الأول في مواصلة سوء التقدير السياسي لخطورة المرحلة وعدم الشفاء من داء الأنفة والزعامة بالقيام بالترشح في قائمات تشريعية حزبية في بعض الولايات ثم الاندثار بعد محطة تشريعية 2019 والخروج من الباب الصغير للعمل السياسي رغم التضحيات الجسام التي قدمتوها في سبيل الوطن التونسي. أما الخيار الثاني، الذي أعتبره من انتظارات الناخب التونسي، هو التوحد قبل فيفري 2019 سواء في جبهة انتخابية، التي لا أعتقد أنها ستكلل بالنجاح إذ أن كل المفاوضات التي صارت خلال الثلاث سنوات الماضية باءت بالفشل وخيرتم الخلاص التنظيمي الفردي فنجا منكم حزب وحيد اسمه “التيار الديمقراطي” أو النزول من سماء النرجسية والبدأ بمفاوضات الاندماج في أحد الأحزاب التي تتقاطع مع رؤاكم ولوائحكم السياسية، الاقتصادية والاجتماعية عسى أن تفتحوا أبوابا سياسية لمناضليكم وتنقذوهم من موت التبعية.

في قراءة لنتائج مشاركة الأحزاب السياسية المعارضة في الانتخابات البلدية 2018 في ولايتين ذات ثقل انتخابي (بلدية تونس وبلدية صفاقس) التي تعتبران أحد المحددات في توجه الناخب التونسي نلاحظ الصعود المدوي لحزب التيار الديمقراطي وتزعمه المعارضة بعد الصورة الجيدة التي قدمها سواء في الاستقرار التنظيمي الداخلي أو الثبات على خطه السياسي المعارض والمقارع للفساد وبرنامجه الاصلاحي الاجتماعي، الاقتصادي والقضائي صلب علوية الدولة والدستور، نعم أقنع الناخب واستجلبه، فهل يكون بديل ومشترك جمعي للمواطن التونسي؟

من الجدير الإقرار أن التيار الديمقراطي فاز بالرهان أو باللغة العامية للاعبي الورق (العجين، الترامبا، la belle) ومن الضروري التفكير جديا بالنسبة للأحزاب السياسية الصغيرة التي لم يعد لها أفق التمثل في مجلس نواب الشعب بالاندماج فيه، كما هو الشأن بالنسبة للمستقلين والمؤثرين المجتمعيين في كافة ربوع الوطن إذ وقع إقصاء طموحهم وآمالهم نهائيا بالعتبة الانتخابية الجائرة فما عليهم الا عقلنة أهدافهم والانخراط التنظيمي في حزب التيار الديمقراطي عسى أن نعبر جميعا عن إنتظارات المواطن والناخب التونسي ونرجع له بصيص الأمل والثقة في وطنه بفرض توازن سياسي والتأسيس لكتلة معارضة كانت أو حاكمة تساعده على المساهمة في إنتاج الثروة، فالمواطن التونسي كنز لا تفرطوا فيه.

ختاما، أردت التعبير دون قفازات عن تقدير سياسي للتطور السريع للأحداث بعيدا عن الصراعات الهووية الإيديولوجية العقيمة، حقيقة هاته الفترة جد حرجة على المشهد السياسي والمشهد النيابي المستقبلي في ظل عدم تكافؤ الفرص المقيت الذي نواكبه، وما علينا جميعا إلا النزول من أبراجنا العاجية زمن سياسة الأمر الواقع المفروضة وخطر ظغط المدة الزمانية التي تفصلنا عن المحطة التشريعية القادمة.

شاهد أيضاً

إتفاقية التجارة الحرّة الشاملة والمعمّقة بين تونس والإتحاد الأوروبي (أليكا) بين المنافع والمخاطر

محمد الهادي تريمش تنصص هذه القراءة السياسية حول اتفاقية التجارة الحرّة الشاملة والمعمّقة بين تونس ...

هل الناخب التونسي جاهز للصفعة الإنتخابية ؟

محمد الهادي تريمش من الطبيعي أن تتصاعد وتيرة الأحداث السياسية في المنعرج الأخير للمدة النيابية ...