الخميس , 15 نوفمبر 2018
الرئيسية / مقالات / معركة الجنرالات …

معركة الجنرالات …

علي المسعودي

جَمع الجنرال المتمرّس جنوده في السهل الواسع أسفل التلّة ، تبادل بضع كلمات مع مستشاريه في قيادة الأركان ثم رفع بندقيته نحو أعلى التلّة وصرخ في الجموع الجائعة العارية: اهجموا رفاقي هجمة رجل واحد، فإن الله قد أرسل لنا جنودا لا ترونهم، وإنّا بمشيئته لمنتصرون !..

التلّة التي يشير إليها جنرال التعليم الثانوي كانت غابة من التشكيلات العسكرية المتحفزة للدم الذي سيسيل : كتيبة الدبابات الحكومية، وأسراب الطائرات الهحومية التابعة للمكتب التنفيذي، وفصائل من مشاة الإعلام وخيّالته، ومن ورائهم جميعا الحشد الشعبي العرمرم من الأولياء والتلاميذ !.. حتى الملائكة لا عاصم لهم من الموت المحقّق في مثل هذه الظروف !..

هذه هي صورة المشهد النضالي اليوم في قطاع التعليم الثانوي، صورة مرسومة بألوان الخطاب الحربي كما يحلو لكثير من المنتمين للقطاع الاستنجاد بمفرداته رفعا لمنسوب الحماس القاعدي..
هذه هي صورة المشهد اليوم، صورة تسبق عاصفة أم الهزائم، والتي لن تقوم للقطاع بعدها قائمة..

الذي لا يشك فيه عاقلان أن الهيئة الإدارية القطاعية الموقّرة تعلم علم اليقين حيثيات هذه المعركة ومآلاتها الكارثية على القواعد ووجود الجامعة ذاته، وبخلاف ذلك سنفترض أننا شعب من الحمقى انتخب زمرة أحمق من هبنقة.. وهذا ما لا يستقيم،.. فلم الإقدام على قرار بهذه المقدمات برغم معرفة العواقب ؟؟
إذا كانت الهيئة الإدارية قد تراجعت -مكلومة و مهزومة- عن نفس القرارات النضالية السنة الفارطة، فلم عادت إليها اليوم وفي ظرف أسوأ من سابقه بأضعاف ؟؟
إذا كانت الحامعة العامة قد انصاعت صاغرة إلى قرار الهيئة الإدارية الوطنية سابقا، فلماذا تفترض القواعد أنها ستتخذ موقفا معاكسا ؟؟

•••

الإجابة عن هذه الأسئلة مجتمعة تتطلب إدراك حقيقة واحدة: كل هذا المشهد مجرّد وهم، صنع بالمقاس لاستهلاك القواعد.. بينما المعركة الحقيقية في مكان آخر..
هذه المعركة نفسها هي فصل من فصول حرب المواقع التي لا يُتوقّع لها أن تنتهي يوما.. حرب مفروضة على قطاع التعليم الثانوي ولم يعد يطيق طرفاها الصبر على التوازنات القائمة، فكل منهما يريد اكتساح مواقع الخصم مهما كان الثمن.. والتوقيت حسب رأيي فرضته العوامل التالية:

• رغبة المكتب التنفيذي، ومن خلاله السيد نور الدين الطبوبي في وضع اليد على كل القطاعات النقابية.. وأن تأتمر بأمره في كل كبيرة وصغيرة.. وما تدخله السافر في كل الانتخابات النقابية، وفي تشكيل القوائم في كل ربوع البلاد إلا دليل حيّ على ذلك..
• الصراعات الحزبية أنهكت الاتحاد العام التونسي للشغل حتى أصبح تجمعا لمتحزّبين، وليس اتحادا لنقابيين من مختلف الأحزاب.. في إطار هذا الإنهاك، وفي إطار هذا الصراع المحموم تندرج هذه المعركة..
• رغبة المكتب الجامعي الحالي في لعب دور الضحيّة، من أجل رفع أسهمه في بورصة المؤتمر القادم.. فغايات رفع السقف انتخابية محضة، ولا علاقة لها بالسقف النضالي… خصوصا ونحن على أبواب مؤتمر حاسم بالنسبة إلى الزعامات الحالية في المكتب الجامعي، وإلى السيد نور الدين الطبوبي شخصيا..

•••

في أفق الحلول المطروحة عشيّة هذه الحرب المجنونة لا يبدو أن هناك أكثر من طريقين :

• الالتزام بقرارات الهيئة الإدارية الوطنية، واعتبار لوائح الهيئة الإدارية القطاعية كأن لم تكن.. والركون إلى قُبَلِ السيد نور الدين الطبوبي، وإلى نواياه الحسنة المعلنة في افتكاك الحقوق.. ولا أدري وقتها هل على الجامعة العامة تقديم استقالة جماعية أم التسليم بالأمر الواقع وانتظار سحب البساط كليا في المؤتمر القادم..
• تحدي الهيئة الإدارية الوطنية، والضرب عرض الحائط بالقوانين الداخلية للاتحاد العام التونسي للشغل.. وفي هذه الحالة أيضا لن نضمن تحقيق المطالب ونحن بلا سند أو ظهير، ولا المحافظة على “شقف” حشاد وقد فعلنا به كل الأفاعيل..

للقواعد أن تختار إذن أحد الشرّين، وما في الخيارين حظ لمختار.. فالانخراط في هذه المعركة هو اصطفاف مع أحد المتنازعين من أجل غنيمة لا نطلبها.. وهي ليست معركتنا في كل الأحوال..

إذا كانت القواعد موحّدة وحدة صماء، وإذا كانت واعية بالقدر الكافي، وإذا كانت ترغب حقّا في الخروج من فكي الكماشة عليها أن تفعل أمرا واحدا: سحب الثقة من القيادات النقابية الحالية للقطاع حتى قبل المؤتمر.. والعمل على نشر وعي نقابي بديل يدفع بقيادات نقابية مناضلة في المكتب التنفيذي القادم للمنظمة الشغيلة، قيادات لا تتاجر بالقطاعات أو تناور، ولا تبحث عن نصيب من كعكة السياسة..

ما عدا ذلك ليس سوى تفكير انقلابي لن نحقق معه إلا مزيدا من الفرقة والتشرذم..
صوتك هو نيابتك.. فلا تبعه أو تفرّط فيه..

شاهد أيضاً

تراتيب تحتاج إلى ترتيب ..

علي المسعودي بالنسبة للجامعة العامة للتعليم الثانوي، الشيطان يسكن دائما في تفاصيل التراتيب ! .. ...

قراءة في جدال ..

علي المسعودي أنا لا أعرف النائبة نادية زنقر، وعلى الأرجح لن أسعى يوما لمعرفتها، أو ...