الخميس , 15 نوفمبر 2018
الرئيسية / مقالات / إغاثة الشاهد للمواطنين في نابل عبر "الفيديو كونفرانس"!!

إغاثة الشاهد للمواطنين في نابل عبر "الفيديو كونفرانس"!!

شكري بن عيسى
تقدّم “عظيم” تحققه تونس اليوم في مجال رقمنة الادارة والحوكمة، وصل إلى حد إدارة الأزمات وحتى الكوارث عن بعد، وآخرها ما حصل لأهلنا في ولاية نابل، وسوّق خلاله إعلام السلطة أنّ الشاهد “تنقّل” للإغاثة والنجدة والإنقاذ، التي لم تكن سوى عبر “الفيديو كونفوانس”، من الغرف المركزية المحصنة المحمية في العاصمة، ولم تطأ قدماه أرض نابل إلا بعد أن هدأت العواصف من الغد، وتركت أضرارا ضخمة وفزعا عارما لم يكابدها ويعايش أهوالها، سوى من كان على عين المكان، في اللحظة الذي اندفعت فيه الوالية في أخبار الثامنة إلى نفي أي ضرر، في الوقت الذي كانت فيه النكبة حقيقية.
ألم ومرارة كبيرين البارحة في نابل وعدد من معتمدياتها بعد الأمطار الطوفانية التي غمرت الجهة وكادت تأتي على كل شيء، من سيارات جرفتها المياه السائلة بقوة، إلى المنازل والمشآت التي اكتسحتها الأمطار الغزيرة، وصولا إلى الطرقات والجسور التي تداعت عميقا، انتهاء بالضحايا البشرية المريرة، وإذ كان التضامن عارما من كل جهات وفئات الشعب، وهو ما خفف بعض الشيء الكارثة، فقد عمّقها غياب حقيقي لاستراتيجية تعامل، وزاد في حدتها الإرتباك الواضح في التعامل، إضافة لغياب المعلومة والمتابعة، وغياب التوجيه والإرشاد وقت الحاجة، وخاصة خاصة عدم وجود مسؤول أول يطمئن الناس على حياتهم وممتلكاتهم، كان يتصرّف من وراء ستار حديدي.
صحيح أن الأمطار كانت طوفانية وغير مسبوقة، فاقت 200 مم، وأن أكبر البلدان ستعيش نفس الذعر والإنهيار، ولكن إدارة الأزمة شابتها إخلالات عميقة، في وقت كان فيه الإهتمام في أعلى مستوى الدولة مركزا على التموقع والصراعات على 2019، والإستقبالات في القصبة مركزة على الكتل النيابية، التي تحولت إلى سوق لتنقلات اللاعبين (عفوا النواب)، على شاكلة “الميركاتو” في البطولات المحترفة، والتقصير الأكبر كان في عدم تركيز نقطة إعلام وإغاثة عبر الإذاعة والتلفزة الوطنية، والإعلام بوجود نقطة خطر كبرى ومنع التنقل للجهة، وبمتابعة كل الحالات وتوجيه الإغاثة الآنية نحوها وتوفير المعلومة الدقيقة الآنية، في ذلك الوقت كانت القناة العمومية تبث أغاني، وحتى في نشرة الثامنة فقد كانت المشاهد والأخبار بلا علاقة بما حدث، بالمقارنة مع الفيديوهات الحية التي بثها الواحلون في قلب الفيضان.
الفيضان الذي كان منتظرا حسب الأحوال الجوية، والعلم اليوم تقدم لتوقع العواصف والأعاصير بدقة كبيرة، ولو تم إعلام الأهالي مسبقا لتم التحضر الأمر بشكل ثاني والتوقي بطريقة أكثر فعالية، ولكن الواضح أن السلطة ذاتها لم تتهيء للأمر، ولم تحضر خطة طوارىء جاهزة للأمطار العارمة.
الفيضان الذي تعمق أيضا بتنفيس بعض السدود والذي ما كان ليكون في ذلك المستوى ويجرف السيارات، لو كان تطهير السدود من الرواسب التي إبتلعتها وتنظيف وتطهير شبكات صرف المياه والأمطار تم بشكل فعّال، ولو تم تهيئة الأودية، ولو كانت أيضا البنية التحتية من طرقات وجسور مهيأة بشكل هندسي معماري يراعي مثل هذه الكوارث، وخاصة لو لم يكن الفساد الذي تعرى وظهرت معه عورات الإدارة والحكومة وحتى الهيئات الشكلية التي تدعي مكافحة الفساد.
السرقات والنهب في الصفقات العمومية فاق كل خيال، والحكومة مع رئيس هيئة مكافحة الفساد المعين من لدنها لا نشاهدهم سوى في إثارة الغبار، وتلك الفلكلوريات في ساحة القصبة برفع “السبركة”، في مشاهد مقرفة ملّها الشعب وشجبها، في الوقت الذي رأينا فيه بنية تحتية من جسور ومنشآت وطرقات منهارة، إضافة لهلاك أربعة (4) أشخاص لحد اللحظة، ومع ذلك تخرج علينا الوالية لتعلن عدم وجود خسائر من أي نوع، في مغالطة وتضليل كذبه الأصوات الصادحة الطالبة للإغاثة، الذي وصل صداها كل العالم، وأيضا وزير التجهيز الذي كل مرة يخرج علينا بخرافة جديدة، قبل أيام في العاصمة بتحميله الشعب مسؤولية غرق العاصمة في المياه والأوحال، واليوم بادعاء عدم وجود إخلالات في البنية التحتية مزدريا كل الأصوات المجمعة على الفساد التي كادت تهلك لولا ألطاف الله.
ولم يتنقل لها صاحب القصبة إلا هذا الصباح، واكتفى في وقت الكارثة بالفيديو كونفرانس، مع خروج إعلامي بارد ببدلة رسمية وكرافات، في انفصال تام على الشعب الذي كابد الأهوال، فخرج محتجا في عديد منه على مثل هذه الزيارات الإستعراضية التسويقية، في الوقت الذي لم ترسل فيه الطائرات والآلات التي تم اقتناؤها بأموال الشعب من ضرائبه للإغاثة، وكانت موضوعة في أغلبها على ذمة النافذين وشبكات السلطة والجاه !!