الخميس ، 20 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / إعدام الذين لم يموتوا في “رابعة”!

إعدام الذين لم يموتوا في “رابعة”!

ياسين أكتاي Yasin Aktay

يصب العالم جل اهتمامه على ما يحدث في إدلب من جهة، ومن جهة ثانية على دعاوى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحروب التي يعلنها على كل من يقف في وجهه، هذا في حين أن إحدى محاكم الانقلاب العسكري في مصر أصدرت، في صمت تام، حكما بالإعدام بحق 75 شخصا من الذين اختارتهم من معارضي الانقلاب.

إن القيام بانقلاب هو أكثر جرائم الإنسانية سفالة، ذلك أنه جريمة تتضمن جميع الجرائم القذرة. فالانقلاب به كذب، خيانة للأشخاص والوطن، سرقة وسلب، قتل، اعتداء، أي كل الجرائم. ولهذا فهو اسم يطلق على حزمة جرائم ترتكب بشكل جمعي.

وعندما لا يستطيع أحد منع وقوع الانقلاب، فإن تلك الجرائم تستمر بشكل متسلسل. يواصل الانقلابيون جرائمهم وأكاذيبهم وسرقتهم وتضليلهم للحقيقة. وفي حين أن الانقلابيين يستحقون المحاكمة على كل الجرائم التي ارتكبوها، فإنهم يجدون لأنفسهم سبيلا حتى يحاكموا من تعدوا على حقهم في الحياة.

لقد روج الانقلاب الذي نفذه السيسي لأكذوبة هي اتجاه مرسي إلى الحكم الديكتاتوري من خلال أقذر حملة إعلامية ليفتح لنفسه مساحة على الساحة. فوصف وزير الدفاع آنذاك السيسي -الذي عينه مرسي- نفسه كمنقذ للبلاد من الاستبداد، بيد أنّ انقلابه أفضى إلى مقتل آلاف الأشخاص وترسيخ دعائم نظام ديكتاتوري ارتضى لشعبه القمع والظلم الذي لم تشهده أكثر حقب تاريخ مصر ظلاما.

عندما فشل النظام الانقلابي في تفريق المعترضين سلميا على الانقلاب عن طريق الإقناع، فتح النار على جموعهم وقتل منهم 3 آلاف شخص على الأقل بطريقة وحشية. كما اعتقل الذين لم يقتلوا في ميدان رابعة وخضعوا للتعذيب في سجون قاسية لسنوات دون محاكمة. وفي تلك السجون، يموت كل أسبوع بضعة أشخاص بسبب تلك الظروف القاسية. وأما من لم يمت كذلك بين جدران السجون، يحكم عليهم بالإعدام في جلسة واحدة في المحاكم التي يعرضون عليها.

حكمت إحدى المحاكم المصرية قبل أيام حكما في القضية المستمرة منذ فترة طويلة بالإعدام على 75 شخصا من بينهم بعض رفقاء درب محمد مرسي الذي يعتبر أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، كما حكمت على مئات آخرين بالسجن المؤبد مدى الحياة. ومن بين الذين حكم عليهم بالإعدام نذكر محمد البلتاجي، والد الشابة أسماء التي قتلت في الميدان بعد استهدافها ما جعلها رمزا لميدان رابعة، والشيخ صفوت حجازي الذي يعتبر من أكبر علماء مصر، وكذلك طارق الزمر. وأما من بين الذين حكم عليهم بالمؤبد يبرز اسم مرشد الإخوان المسلمين محمد بديع الذي لم يتخل عن ثباته وموقفه بعدما قتل الانقلابيون 3 آلاف من إخوته في ميدان رابعة في هجوم دام؛ إذ قال “سلميتنا أقوى من رصاصهم”.

كانوا يعلمون جيدا أنهم لو حملوا حتى سكينا صغيرة لكان الانقلابيون قد استغلوا ذلك لتبرئة عنفهم. بيد أن الأبعد من ذلك فإن عدم رغبتهم في الكفاح المسلح كانت نتيجة شعورهم بمسؤولية صعب تحملها تجاه شعبهم. ذلك أن المقاومة المسلحة كانت ستفتح الطريق في مصر إلى حرب أهلية وحالة من الفوضى لا يعرف مداها إلا الله، فهو كانوا يرون ذلك جيدا وكانوا يفضلون الصبر على كل تلك الضغوط حتى لو كان صعبا، حتى لو قتلوا وسحقوا.

إذا كان السلام حقا قيمة كبيرة في عالمنا اليوم، فإنه يجب مكافئة هؤلاء الأشخاص لأنهم تنازلوا عن حقوقهم حتى لا يجروا بلادهم لمزيد من العنف.

لم ير العالم هذه التضحية التي قدموها، بل لم يتورع النظام الانقلابي عن وقاحة تحميلهم مسؤولية الجرائم التي ارتكبها هو نفسه. إن قتل 3 آلاف متظاهر بهذه الطريقة لهو جريمة كبرى يجب محاكمة مرتكبيها لا محالة. لكن دعوكم من ذلك، فإنه عندما لم يتساءل أحد عما حدث بكل تفاصيله، رأينا الانقلابيون يواصلون رفع مستوى وقاحتهم ويتجرؤون على محاكمة المظلومين من الذين لم يستطيعوا الفرار من الميدان أو الموت به في تلك المجزرة ليحملوهم مسؤولية كل تلك الجرائم الشنيعة.

إنها وقاحة شديدة لدرجة أن أحدا لم يحمر وجهه حتى عندما كشف عن وفاة 5 أشخاص من المحكوم عليهم بالإعدام داخل السجن بسبب التعذيب والظروف السيئة.

إن الانقلاب العسكري في مصر وموقف العالم منه لهو أكبر مثال يعرض لنا دناءة ونفاق نظام العالم الذي نعيش فيه بكل معاييره.

إن العالم الغربي يقرأ سؤال لماذا لا تتطور الديمقراطية في العالم الإسلامي وكأنه يغضب المسلمين منذ قرن كامل، وإن كان هناك تقصير في هذا الأمر، فكيف له أن يخفي مستقبلا أن تقريبا كل هذه الأشياء خاصة به؟

لقد أفرجت الإدارة الأمريكية عن مساعدات لنظام السيسي بقيمة 1.2 مليار دولار بالتزامن مع حكم إعدام نظام الانقلاب في مصر 75 متظاهرا بريئا، وكأن صاحب مشروع يدفع أتعاب المقاول…

بيد أن الشيء الذي خسر قيمته مع حكم الإعدام هو الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يطلقون عليها بزعمهم اسم “القيم الغربية”…

ألا تفيد هذه الأموال المدفوعة إلى السيسي بالرغم من قتله للديمقراطية من جانب واشنطن التي أوقفت بأموالها ومعرفة قرارات الكونغرس مبيعات الأسلحة إلى تركيا في كل خلاف معها، ألا تفيد بمقتل ديمقراطية كانت قد أوشكت على الانتعاش في إحدى الدول الإسلامية؟

شاهد أيضاً

تفتت “الحراك” أو ماراتون الجيش المكسيكي

أبو يعرب المرزوقي ترددت كثيرا قبل قرار الكتابة في آخر حدث يمر به حزب المرزوقي. ...

اترك رد