الخميس , 15 نوفمبر 2018
الرئيسية / تدوينات تونسية / رحيل الشاهد: كابوس النداء أم كابوس وطن ؟

رحيل الشاهد: كابوس النداء أم كابوس وطن ؟

نور الدين الختروشي
تتسارع المستجدات في بداية السنة السياسيّة الجديدة، لتؤشر على أنّها ستكون ساخنة ومتموّجة ومتفلتة على ضبط مسارها ومآلاتها. فمنذ هروب المخلوع وتونس الجديدة تتحرّك على أرضيّة أزمة مفتوحة ومتجدّدة. والثورة التي من المفترض أن تكون حلّا لأزمة النظام السابق واستجابة تاريخيّة وسياسيّة لمطمحنا العام في الخروج نهائيا من ورطة الاستبداد والتفرغ لبناء مستقبل الحرية والعدالة، أصبحت كابوسا سياسيا بسبب أداء النخب الجديدة التي لم تنجح إلّا في اغتيال حلم التونسيين في مستقبل أفضل، فتتالت الحكومات وتغيّرت القوى الماسكة بدواليب السلطة وبقيت دار لقمان على حالها، فباستثناء تحقّق مكسب الحرّية والدستور، راكمت النخب الجديدة فشلها في عنوان التنمية والإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة وبلغت نسب النمو أدناها وشارفت الدولة على الافلاس .
دورة جديدة أو حلقة جديدة في الأزمة الشاملة والمفتوحة نشهد يوميّاتها في بداية هذه السنة، وعنوانها “تغيير حكومة الشاهد” وهو مطلب ندائي بالأساس، تحوّل إلى مطلب المنظمة الشغيلة وصدّته النهضة برفضها الفصل 64 من وثيقة قرطاج 2، بما دفع الرئيس صاحب المبادرة إلى تعليق الحوار حول الوثيقة، ودخول البلاد إلى عين العاصفة من جديد، حتى أنّ بعض التحاليل استنتجت ببساطة غير ساذجة “موت التوافق” أيّ إلى نهاية الشرعية التي منعت تونس من السقوط في مآلات بقية بلدان الربيع العربي في إشارة إلى عمق الأزمة الجديدة أو المتجددة وحدّتها.
الشاهد، واستئناسا بموقف حركة النهضة، أعلن حربا مفتوحة على مديره التنفيذي في حزبه، وأعلن أنه لن يكون “الحبيب الصيد” وأنّ خروجه من القصبة لن يكون دون ثمن قد يدفعه الجميع. فأستقرّ الهيكل العام للمشهد على تقابل في الموقع والموقف بين القصر والنداء والنقابة من جهة والشاهد وحليفه الموضوعي النهضة من جهة أخرى.
تبدو المعركة في ظاهرها بين الشاهد والسبسي الكبير والصغير، ولكن في حقيقتها بين النهضة وحليفها النداء، فالشاهد لم يكن ليجرأ على مستخدميه ورئيسه لو لم تعارض النهضة تنحيته. فالنهضة هي الحلقة والعقدة الأساسية في المشهد. ورغم أن قياداتها صرّحوا أكثر من مرّة أن حزبهم قد حشر في معركة الشقوق الندائية المتكرّرة، فإن واقع الحال وأم الحقائق التي من المفيد التركيز عليها لفهم ما يمكن فهمه من “مشهد العبث” هو أن النهضة وبحكم الموقع من الأزمة في قلب العاصفة، وهي بالنهاية من تملك القدرة السياسية على حلّها في هذا الاتجاه أو ذاك.
فالقول أن النهضة لا ناقة لها ولا جمل في صراع الثيران بين حافظ قايد السبسي ويوسف الشاهد، قول مردود على أصحابه لأن النهضة، وبرفضها تنحية الشاهد وبقطع النظر عن صوابية موقفها من عدمه، قد انحازت بالنهاية إلى رغبة الشاهد في البقاء في القصبة ولوت ذراع الرئيس ومن وراءه ابنه “صاحب الباتيندة”.
الغموض كل الغموض في هذا الفاصل أو المفصل، فالمعركة تبدو في ظاهرها معركة الشاهد وحكومته من جهة ومعركة الرئيس ونجله من جهة أخرى، وفي باطنها هي معركة كسر عظام حادّة بين المكوّنين الأساسيّين للمشهد والخارطة السياسيّة أي النداء والنهضة.
فالشاهد الذي، وفي سياق نيّته وراثة النداء، أعلن تصريحا وليس تلميحا ضرورة إحداث التوازن السياسي في البلاد، أي ضرورة استجماع مقوّمات القوّة في البيت الندائي استعدادا لمواجهة الغريم النهضوي، بما يعني أن أجندة الرجل ليست فقط بعيدة عن أجندة النهضة بل هي نقيضها.
وهذا ما يجعل المحلّل للوضع في حيرة من أمره. فمن جهة نجد الشاهد والنهضة في ضفة واحدة ومن جهة تتبرأ النهضة من رئيس الحكومة الشاب باعتباره لم يكن مرشّحها لتعويض حكومة الصيد ومن جهة أخرى تعارض تنحيته بدعوى المصلحة الوطنية والاستقرار.
وفي الجهة الأخرى يعلن الشاهد بكل وضوح أنّه يعمل على أجندة إحداث التوازن السياسي والمقصود إعداد العدّة السياسيّة والحزبيّة لمواجهة النهضة على أرضيّة ما يسمّى بمشروع النمط أو الحداثة في مقابل رجعيّة أو أصوليّة مشروع النهضة.
مشهد سريالي حدّ الجنون تختلط فيه الأوراق والمعاني في فوضى شاملة تجعل الحليم حيرانا.
آخر فصول المشهد الفضائحي كانت إقالة وزير الطاقة ومعاونيه بدعوى الفساد، وفهم المراقبون أن الضربة ليست موجهة للوزير والفساد بل رسالة مباشرة لاتحاد الشغل الذي اصطف في المعركة وراء الرئيس ونجله وأعلن مرارا وتكرارا رغبته في الإطاحة بالحكومة ونيّته الإعلان الإضراب العام باعتبار انحدار الوزير المقال من عائلة نقابية بل وترشيحه من الاتحاد لخلافة الشاهد على ما تتداول أخبار الكواليس .
الخلاصة من السابق نحصرها بصعوبة وبكثير من الحذر في التالي:
أوّلا: أنّ الاختلاف حول إقالة الشاهد لم يقبله الرئيس على أنه موقف تقديري من النهضة يمكن معالجته بالحوار والتفاهمات السياسية. وتأكيد العديد من التحاليل على أنّه ضربة قاسية لعنوان التوافق له ما يبرّره إذا استحضرنا أن الباجي قايد السبسي ينتمي إلى ثقافة سياسية مقدّمتها البسيطة تقول إذا لم تكن معي فأنت ضدّي، فالخطير في الاختلاف حول بقاء الشاهد أو ذهابه هو بالنهاية زعزعة أساس الشرعية التي أسست للنجاح أو بالتدقيق للاستقرار النسبي الذي ميّز تونس عن بقية بلدان الربيع العربي.
ثانيا: الشاهد الذي أصبح رأسه مطلوبا من أغلب مكوّنات المشهد، ستتوسّع دائرة خصومه وسيعلو مؤشر شراسة المعركة ضدّه كلّما تحوّل في الاستراتيجية الإعلامية والتواصلية لخصومه على أنّه “رجل النهضة”.
ثالثا: النهضة التي حاولت ولا تزال التوسط بين الندائيّين والشاهد، تعلم جيّدا أنّ مصير الشاهد ليس في يدها وهي تتحرّك في هامش مناورة ضيّق جدّا والأرجح أنّها ستسلم للإطاحة به ليس رغبة منها بل لأنّها غير قادرة بالنهاية على منع سقوطه.
رابعا: الشاهد سيلعب كل أوراقه، وسيحرق كل السفن، ولن يخرج من القصبة من الباب الذي خرج منه الصيد. وفي هذا المسار الذي قد يقصر أو قد يطول سنشهد صراعا مجنونا وشرسا بين أطراف الصراع التي تستبطن ثقافة الحرب والتنافي، ممّا يجعل التنبؤ بأكباش الفداء وضحايا هذه الحرب صعبا، ولكن الأكيد أن رؤوسا كبيرة قد تسقط في قادم الأيّام، فالورقة الأساسيّة التي بيد الشاهد إلى جانب موقف بعض الدوائر الأجنبية المعارضة لإسقاطه هي ورقة “الملفات” والتي قد تشمل أبناء الرئيس نفسه.
خامسا: اعتبر الرئيس منذ صعوده إلى قرطاج وما يزال أن القصبة للوزير الأول وليست لرئيس الوزراء وسيتصرّف إلى آخر الأزمة على هذا الأساس ولا شيء يوحي أن هناك من يريد تذكيره أن القصبة أكبر من قرطاج في النظام السياسي الجديد ولا شيء يوحي أن رغبة الرئيس بالنهاية ستتحقق. فلا أحد مستعدّ لدفع كلفة الصراع مع قرطاج والتي قد تكلّف البلاد انزلاقا نحو مجهول التهارج الشامل.
نميل في النهاية إلى أم الخلاصات التي تقول أن لا أحد يملك التحكّم في مصير اللعبة فالداعي لإقالة الشاهد كما المتمسك به لا يملك الورقة الرابحة والحاسمة، والأرجح أن فصول تراجيديا السياسة ومأساتها ستكرّر في مشهد وطني كئيب ولحظة وطنية بينيّة هشة ومفتوحة على كل المآلات.
صحيفة الرأي العام

شاهد أيضاً

الشاهد يبادر والنهضة قد تدفع الثمن

نور الدين الختروشي أعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد، عن التحوير الوزاري المرتقب منذ أشهر، وكان ...

صداع البحث عن شريك/زبون

نور الدين الختروشي هناك وهم يروجه العديد من المعنيين بتشكيل المشهد في المرحلة المقبلة ومن ...