السبت ، 22 سبتمبر 2018

اللغة والإبداع

بشير العبيدي

#رقصة_اليراع

لطالما تساءلتُ : هل نحقق الإبداع حين نمتلك ناصية لغة أجنبيّة؟ فالأمرُ أبعد من أن يكون آليا !

لقد رأيتُ في حياتي كم شئتَ من النَّاس العرب، يحرّضون أولادهم على تعلّم الانقليزية أو تعلّم الفرنسية، فيتعلَّم أولئك الذراري المساكين اللغات المهيمنة ذات السيادة على العقول ويحصدون فيها العلامات التي لا يحصدها متكلّمو هاتيك اللغات في ساحات ديارها.

على أنّه بمجرّد حصول هؤلاء على الوظيفة يخرجون من التاريخ ويبتلعهم الشيء المعتاد ولا يراكمون أثرا ولا يزاحمون إبداعا، ويعيشون حياة خفية الاسم ويموتون ميتة معدومة الرّسم !

وإنّني مازلت أتساءل حتّى اهتديتُ إلى وجهٍ من الرّأي ! وهو أنّ إجادة اللغة -بما فيها اللغة الأمّ- ليس أمراً كافيا ولا هو يجدي بمفرده إطلاقاً !

إنّه يكمن خلف اللغة البشرية أمرٌ عجيبٌ له كنهٌ يتأرجحُ بين الوجود والوجدان، كأنّه شيءٌ من طلاسم العقل الباطن، يستفزّ الكيان المدرك بطيفٍ من الإشارات الدّافعة حينا، وبكيلٍ من الاستجابات لمحفّزات خارجيّة مشاكسة، في خلاصة كيميائية لا يفكها جابر بن حيّان، متفاعلة مع الزمان والمكان والتراث والحال واللغة والبيان والعلاقات والعوائد والعقائد والوسائل والمشاعر والإعلام والأوهام والأخيلة والرّهاب والمتلازمات والأمراض والأعراض والجواهر، فتنقدح من ذلكم الإكسير الفريد المعقد قبسات في جوف الإنسان تدفعه دفعا نحو تشبيك العلاقات من حوله وإحداث بداية الأسئلة الشاكّة والتململات المريبة، تتمحّض زمنا لكي تخصب في رحم الوجدان الإنساني عناصر الإبداع.

على أنّ اللغة الأجنبية -كما اللغة الأم الضعيفة المترهّلة- لا تتّحد عناصرها مع هذا الإكسير بل إنها قد تقتل الخلايا الجذعية للخلاصة الشعورية المبدعة، فيتبلّد الفكر ويتسطّح الفهم ويتقلّص العمل وينكمش الاهتمام.

هل جرّب أحدكم أن يسابق ظلّه عند شروق الشمس ورؤية الظلّ طويلا ممتدّا؟ كذلك يحدث بين اللغة وإبداع الإنسان، إنه لا يكاد يرسم بالأحرف شيئا حتى يرى الأثر ممتدا بعيد الأثر

وإنه إن اتحد الإكسير المذكور أعلاه في داخل الفرد فهو إنَّما يحدث ثورة عارمة في كيانه ووجدانه وسلطانه ! إنه الفرد الإبراهيميّ الأمّة الذي ينشأ في هذا الخضمّ ويباشر التغيير المرجو، ويجد أمامه فجأة العشرات من النفوس التائقة المستعدة لتلقف التغيير وتصحيح اتجاه بوصلة الحلم الجماعي لكي تلزم مؤشر السنن الكونية. يكفي أن يمهّد لها الفرد الأمّة الطريق عبر كسح قشور الأشياء والنفايات غير القابلة للتدوير من طريق المعنى الخالص للوجود الذي هو الاشتراك في الإسعاد ونشر الخيرية، كُنتُم خير أُمَّة أخرجت للناس…

وليست اللغة الأجنبية هي التي ستخرج أوطان العرب من المأساة. ولا حتى مجرّد إجادة العربية الأمّ والإخلاص لها. ولقد التقيتُ في حياتي بأسوأ المحامين عن اللغة العربية لم يزيدوها سوى هوانا على هوانها.

وذلك لأنّ الذي يشعل بيادر الحطام من حولنا لا يأتي من اللغة المنثورة في شكل كلمات ومصطلحات. بل يأتي الإبداع من العلاقات التي يشبكها كيان المبدع مع الأشياء والوجود والبشر، تماماً على صورة الفرن الذي يظنّ الناس أنه هو الذي يطبخ الخبز، بينما في حقيقة الأمر لا يطبخ الفرنُ الخبزَ، بل الذي يطبخ الخبزَ هي الحرارة المنسجمة واللافحة والصاهدة التي يحتويها الفرن ويمنعها من التسرّب.

ولا ينضج خبزٌ أبداً في فرن باردٍ خامدٍ. ولا يتحرّك شيءٌ بمجرّد نصب فرن، بل يتمّ ذلك بإيقاد الفرن وإيفاد الطاقة المسخّنة للوشائج في حيّزه، لأنّه إن خمدت نار الفرن، تساوى عند الخبز أن يوضع داخله أو خارجه.

فيا أَيُّهَا الآباء لا تعلّموا أولادكم كيف يكونون عبيد اللغات الأجنبيّة، علّموهم كيف يكونون أحرارا بلغتهم.

وَيَا أَيُّهَا النَّاس أوقدوا فرن اللغة، لقد جعنا إلى الإبداع !

✍🏽 #بشير_العبيدي | ذو الحجة 1439 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا |

شاهد أيضاً

حول إضرابات الاتّحاد

نور الدين الغيلوفي اتّحاد الشغل يقرّر إضرابًا عامًّا بيومين: يوم من نصيب القطاع العام والآخر ...

اترك رد