السبت ، 22 سبتمبر 2018

الملعقة

حسن الصغير

في صيف 1975 كنت في الخامسة من عمري، وفي تلك السنة مرض جارنا وأصيب بداء في العمود الفقري ظل يتعالج منه أشهرا طويلة في العاصمة، وحين حل موسم الحصاد لم تجد أسرة جارنا المريض الوقت ولا الجهد لحصاد حقولها التي زرعتها قمحا.

ولما حل شهر جوان كانت جميع حقول القرية قد أقفرت من سنابلها، وظلت فقط حقول جارنا المريض مملوءة سنابل مثقلة بالحب لا تكاد تستوي على سوقها، وباتت في النهار مرتعا للطيور التي تقتات على قمحها وفي الليل مرتعا للجنادب التي لاذت بها بعد أن أقفرت باقي حقول القرية وكشف أديمها عن تراب بني تناثرت عليه بشكل غير منظم بقايا سنابل أغفلتها مناجل الحصادين، ولم تنتبه لها قطعان الأغنام التي اقتاتت على ما تبقى من سوق السنابل وزؤانها.
وبعد أيام عاد جارنا من رحلة مرضه الطويلة واجتمع الجيران وأهل القرية في بيته لتهنئته بالسلامة، وخلال الحديث قرر وجهاء القرية وشيوخها أن تتجند كل القرية وتتطوع لحصاد حقول جارنا الشاسعة وإنقاذ موسمه بعد أن عاد بالسلامة.
وفي اليوم الموعود بدأ خلق كثير يتوافد على بيت جارنا ثم ينطلقون للحصاد، وكنت أراقب من بيتنا حقول القمح وقد زحف عليها الحصادون من كل حدب وصوب حتى فقدت لونها الذهبي واستحال إلى السواد من كثرة أعداد الحصادين الذين قدموا حتى من القرى المجاورة.
وبعد قليل جاء دورنا نحن الصبية فكنا نأخذ المياه في قرب أو صفائح من الحديد والبلاستيك إذ لم تكن يومها قوارير المياه قد دخلت القرية بعد ونلحق بالرجال في الحقول لنروي عطشهم تحت الشمس الحارقة.
ومع اقتراب الشمس من كبد السماء ودنو موعد الزوال كانت الحقول قد أقفرت من سنبلها الذي أصبح مكوما في البيدر بانتظار النورج الذي يسمى محليا الجاروشة، ثم بدأ الحصادون يتوجهون إلى أشجار الزيتون القريبة والجلوس في ظلالها بانتظار الغداء الذي حرصت النساء على إعداده منذ الصباح بعد أن أصر جارنا على دعوة الجميع لوليمة ذبح لها كبشين كبيرين.
رافقت والدي الذي كان مع الحصادين إلى أشجار الزيتون وأنا أمني النفس بغداء دسم بعد تعب ذلك اليوم خاصة وأن أغلب بيوت القرية لم تكن تعرف اللحم إلا في الأعراس والأعياد ومناسبات أخرى قليلة.
ولم ننتظر طويلا حتى بدأت قصاع الكسكسي واللحم تتوافد على الحصادين، كانت القصاع من الخشب والفخار ويبدو أنه تمت استعارة أغلبها من بيوت القرية إذ كانت البيوت لا تتوفر وقتها إلا على قصعة أو جفنة وحيدة أو ربما اثنتين لكل أسرة في أفضل الأحوال، وكذلك الملاعق تمت استعارتها من البيوت لكن يبدو أن عددها كان أقل بكثير من عدد الحصادين الجائعين.
ومن سوء حظي كنت جالسا مع والدي رحمه الله في مجموعة لا ملاعق فيها، وفي بيتنا ورغم أننا لا نملك إلا بضعة ملاعق من نوع السنبلة إلا أني آكل دوما بملعقة ولم يسبق لي أن أكلت الكسكسي بيدي.
ولم يشكل غياب الملاعق أي مشكلة للرجال الجائعين الذين اكتفوا بغسل أيديهم من التراب وآثار السنابل ثم اندفعوا في الأكل أما أنا فقد وجدت صعوبة كبيرة في الأكل بيدي الصغيرة.
وكان في الحلقة المجاورة جارنا الذي فاز بملعقة من الملاعق القليلة وخلال التفاتة منه لمح يدي الصغيرة التي تحاول عبثا مجاراة الرجال في الأكل فأشفق لحالي وأعطاني ملعقته ثم هوى بيده المدربة على جفنة الكسكسي.
أكملت غدائي سعيدا بملعقتي التي كفتني عناء الأكل بيد لا تكاد تحمل شيئا من الكسكسي ثم انهمكت أعالج قطعة اللحم الكبيرة ولم ألق منها إلا العظم أبيض أجرد، وبعد فترة وجيزة كانت كل القصاع قد أصبحت فارغة فقد أخذ الجوع من الجميع كل مأخذ.
عندها قلت لوالدي إني سأعود للبيت بعد هذه الوليمة الدسمة.
رحم الله جارنا “حمة العيدي” وأسكنه فسيح جنانه فقد أنقذني يومها بتلك الملعقة من الألم والعناء؛ ألم الجوع وعناء الأكل بيد صغيرة غير مدربة حتى أني لما عدت للمنزل لم أبال بما طبخت أسرتي للغداء!!!

شاهد أيضاً

حول إضرابات الاتّحاد

نور الدين الغيلوفي اتّحاد الشغل يقرّر إضرابًا عامًّا بيومين: يوم من نصيب القطاع العام والآخر ...

اترك رد