الجمعة ، 21 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / أبو يعرب المرزوقي يطلق النار على السبسي ولجنة الحريات والنخبة الحداثية

أبو يعرب المرزوقي يطلق النار على السبسي ولجنة الحريات والنخبة الحداثية

نوفل سلامة

افتتحت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات موسمها الثقافي والحضاري الجديد 2018 – 2019 بندوة فكرية أرادتها مواصلة للجدل القائم اليوم في المجتمع التونسي حول قضية المساواة في المواريث وما خلفه مضمون التقرير الذي أعدته لجنة خاصة أثارت تركيبتها هي الأخرى اعتراضا كبيرا لانتماء أغلبهم إلى طيف ايديولوجي معين وقدمته لرئيس الدولة الذي تفاعل معه في عيد المرأة الاخير باقتراح صيغة لتحقيق المساواة المطلوبة لم ترض المعارضين بفكرة المساواة وأغضبت المؤيدين والمتحمسين لها. ولمزيد الحديث حول هذا الموضوع الساخن والمثير للجدل والذي سيستمر لوقت طويل كان لزاما على مؤسسة التميمي بعد أن دعت الصحفي اللامع صلاح الدين الجورشي أحد اعضاء لجنة الحريات الفردية والمساواة وما خلفته ندوته من ردود فعل حركت السواكن وكانت المنطلق لحوار فكري. تواصل حتى الآن، كان لزاما أن تدعو المؤسسة شخصية أخرى لها وجهة نظر مختلفة عما قدمه الجورشي واللجنة وعما صرح به رئيس الجمهورية فكان الاختيار على المفكر أبو يعرب المرزوقي الذي نزل محاضرا في ندوة يوم السبت 1 سبتمبر الجاري.

في هذه الندوة خير أبو يعرب المرزوقي أن لا يناقش مضمون لجنة الحريات الفردية والمساواة وتجنب التعرض إلى المقترحات التي انتهت إليها اللجنة في موضوع مراجعة منظومة المواريث الدينية واختار أن يقدم مقاربة فكرية تقوم على تصور لبنود الدستور في علاقة بمطلب المساواة في الإرث وأن يتحدث عن المقدمات والنتائج الذي قام عليهما مقترح رئيس الجمهورية حينما جعل المساواة في الإرث هي المبدأ والإستثناء في حرية صاحب المال بأن يوصي بعد وفاته بتطبيق قواعد الإرث الشرعية.

في هذه الندوة انتقد أبو يعرب موقف رئيس الدولة واعتبره قد تصرف في مبادرته من منطلق كونه رئيس حزب النداء وليس رئيس كل التونسيين. وهو طريق حسب رأيه قد سلكه لإخراج حزبه من أزمته الخانقة والتي يتخبط فيها من خلال تصدير المعركة إلى الشعب وإرجاع البلاد إلى وضع سنة 2013 أين عرفت صراع الهوية بين إسلاميين وعلمانيين والذي كاد أن ينزلق بالبلاد نجو حرب أهلية وعليه فإن مبادرته هي محاولة لاستعادة الشعبية التي ترهلت بفعل الإنقسامات الداخلية والفشل في تحقيق الوعود الإنتخابية.

يعتبر المحاضر أن الرئيس الباجي قائد السبسي كان أكثر صراحة ووضوحا من لجنة الحريات في عدم تبنيها للفكر البورقيبي وقطعها مع المدرسة البورقيبية والحركة الاصلاحية للاجتهاد ولم تواصل القراءة الاجتهادية والذي لم تصرح به اللجنة قد صرح به الرئيس وكان نزيها مع نفسه في إنهاء العلاقة مع الفكر البورقيبي واجتهاده في الإسلام حيث يعتبر بورقيبة أن إصلاحاته الإجتماعية تندرج ضمن القراءة التحديثية للإسلام. وعلى العكس من ذلك فإن رئيس الدولة الباجي قائد السبسي بمبادرته بخصوص مقترح اللجنة التسوية في المواريث يكون -والكلام هنا لأبي يعرب المرزوقي- قد ثأر من بورقيبة حينما اعتبر أنه لا علاقة بما يدور من نقاش ومقترحات حول المساواة في الإرث بالإسلام ولا بالقرآن وهو بهذا الموقف وبما قاله حول مدنية الدولة وعدم تعرضه للفصل الأول من الدستور يكون قد واصل في نفس النهج الذي سلكه محمد الشرفي لما قال إن بورقيبة قد أخطأ حينما لم يؤسس نظاما علمانيا لتونس!

إن المشكل الذي وقفنا عليه بمناسبة كل الجدل حول المساواة في الميراث وكل المقترحات التي جاءت في تقرير اللجنة المكلفة من قبل رئيس الجمهورية، هو أن القضية الجوهرية التي نعرفها هي مشكل النخبة الفكرية المتحكمة وأزمة الفكر الحداثي لبعض المثقفين.. لقد كنا في السابق نعاني من أزمة في الفكر الإسلامي في كونه غير مواكب لما أنجز في الفكر الإنساني، غير أننا اليوم وبعد أن تجاوز الإسلاميون أزمتهم وطوروا من فكرهم وتصالحوا مع منجزات الحداثة، أصبحت أزمتنا حسب أبي يعرب المرزوقي في نخبة احتكرت الفكر الحداثي في نسخته الإستعمارية.. لقد ورثوا قيم الفكر الإستعماري ولم يتبنوا قيم الحداثة، وأزمتنا اليوم في العمق مع نخبة توقفت عند الفكر الفرنسي الإستعماري ولم تعد ترى الحداثة في غير ما أنتجه هذا الفكر ولا ترى أنه من الممكن أن تكون الحداثة خارج إطار الفكر الفرنسي وحداثته الإستعمارية. فهم لا يزالون إلى اليوم يواجهون الفكر الإسلامي من وجهة نظر عصر الإنحطاط توقف فكرهم في القرنين 18 و 19 الميلادي.

هذا الفكر الحداثي بشقيه الفرنسي العلماني والماركسي الفاشي، يعامل الشعوب على أنها قاصرة لا يمكن أن تحكم وفق إرادتها الحرة، لأنها في نظرهم غير مؤهلة للديمقراطية وهي غير مدركة لحقيقة مصالحها. وهذه الشعوب وفق هذا الفكر تحتاج إلى أجهزة الدولة وقوتها وهذا ما يسمى بالتحديث المستبد أو التحديث الفوقي والقصري والذي يقوم على توظيف أجهزة الدولة والإستعانة بها لفرض التصورات والقرارات من دون أخذ رأي الشعب وهذا ما يفسر لماذا رفضت اللجنة الذهاب إلى الإستفتاء واستشارة الناس حول مقترحاتها وهو ما يعني أن هذه النخبة تقدم نفسها وصية على الشعب وهو نفس الفكر الإستعماري والماركسي اللذان يجعلان للإستعمار وظيفة تأهيل الشعوب والإرتقاء بها.

لقد ارتكبت اللجنة في إعداد تقريرها عدة إخلالات لعل أبرزها مسألة المرجعية ونعني بها غياب الرؤية الإصلاحية للمدرسة التونسية في تقرير اللجنة، على عكس ما نعرفه عن الرئيس بورقيبة حينما أعلن عن إصلاحاته الإجتماعية وقال بأن مرجعيته هي الدين الإسلامي وآلية الإجتهاد الفقهي وبأنه يريد أن يطور من حال المسلمين ويرتقي بهم إلى مصاف الأمم المتقدمة من خلال إجتهاد وتأويل معاصر وجديد للنصوص الدينية.. واليوم نحن نتساءل عن المرجعية التي اعتمدت عليها اللجنة واعتمد عليها الرئيس الحالي ؟ لا أجد من مرجعية لهذه اللجنة إلا كونها قد ضربت القيم الجامعة للشعب التونسي في كونه شعب مسلم حضاريا على الأقل وأطاحت بنظام التناسق الذي بنى عليه الدستور الذي يقرأ ويفهم ويفسر كوحدة متكاملة، لا فصل فيها بين فصله الأول والثاني ولا بين التوطئة وفصول الدستور كلها.. ما قاموا به هو أنهم أفسدوا الإنسجام الموجود في الدستور وفسروه مبتورا ومنقوصا ومشوها. فالدولة التونسية التي دينها الإسلام يمكن أن تكون مدنية على خلاف الفهم الذي قدمه الرئيس للمدنية والتي جعلها مساوية للعلمانية وهذا خطأ كبير فالدولة المدنية يمكن أن يكون الدين من بين مصادر تشريعها فلا تعارض بين مدنية الدولة وكونها تضم شعبا مسلما وقوانينه مستمدة من أصول ومرجعيات عدة ومن بينها أحكام الإسلام الذي هو دين الشعب ودين الدولة وبهذا فإن الرئيس بمبادرته وإعلانه بأنه لا علاقة لما يقوم به بالإسلام وبالقرآن، قد هدم الرؤية الثقافية والوجودية والحضارية للدولة التونسية التي أوجدها باني تونس الحديثة الراحل بورقيبة.

وحينما ضرب الرئيس الباجي قائد السبسي المرجعية الفلسفية والوجودية للدولة، فقد ارتمى في أحضان المرجعية الكونية لحقوق الإنسان بالإعتماد على مقولة المساواة بين البشر، ولكن الخلل في هذا الموقف هو أن الفكر الإنساني الكوني يقر بحرية المالك في توزيع ملكه كيفما يشاء. والسؤال هنا وفقا لمنظومة حقوق الإنسان العالمية التي يعتمدون عليها هل لورثة الميت حق في مال مورثهم قبل موته ؟ في رأيي ووفق فهمي للحق الكوني فإن الورثة لا يجوز لهم أن يرتبوا أي إجراء للتصرف في مال مورثهم قبل مماته وهذا فعلا ما قرره القرآن الكريم حينما جاء بنظرية الوصية في المال في أول الأمر ثم ألغاها، وجعل بدلا عنها قواعد الميراث وفقا للنص الصريح الذي ألغى الوصية وهي قوله تعالى في سورة النساء الاية 11 “… آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا …” بما يعني أنه لم يعد من الممكن أن يترك تحديد المستحق للتركة لصاحب المال نفسه أو أن يفرض بعض الورثة على الوارث أن يوزع ماله بالطريقة التي يرضونها، لأن مسألة من هو المستحق للمال أكثر من غيره، هي مسألة نسبية وتقديرية من منظور البشر والله هو الوحيد القادر على معرفة الشخص الأكثر إستحقاقا من جميع الورثة. لذلك جاءت أحكام المواريث في الإسلام تعالج وضعيات إجتماعية ولا تقوم على العامل الجنسي وطبيعة جنس الوارث بما يعني أن منظومة المواريث في الإسلام غير مبنية على معيار الجنس واعتبارات الذكورة والأنوثة وإنما هي تقوم على وضعيات إجتماعية محددة بقطع النظر عن جنس الوارث ذكرا كان أو أنثى وهذا ما يفسر كيف أن الأنثى لها نصيب مختلف حسب وضعيتها كأن تكون زوجة أو أما أو بنتا أو خالة أو عمة أو أختا شقيقة أو أختا لأب أو لأم وهذه مسألة تجاهلها من كتب التقرير وقرر قاعدة عامة تقول بالمساواة بين الجنسين والحال أن المساواة الحقيقية لا تعني توزيع مقدار من المال بالتساوي بين عدد من الأفراد من دون مراعاة لوضعياتهم من حيث الفقر والغنى والحاجة وعدم الحاجة…

شاهد أيضاً

الباجي يتغذى من الفوضى النافعة

محمد الجلولي الفوضى هي أن تتداخل الألوان فلا نرى الأبيض والأحمر والأخضر والأزرق والاصفر بل ...

اترك رد