الجمعة ، 21 سبتمبر 2018

السباق

حسن الصغير

ذات يوم ربيعي من أواخر السبعينيات كنا عائدين من المدرسة عبر الطريق الجبلية الوعرة والملتوية حين عن لنا فجأة أن نخوض سباقا في العدو على مسافة تمتد لأربعة كيلومترات تقريبا.
وحتى أضاعف فرصي في الفوز على أقراني نزعت نعلي ويسمى محليا (طرباقة) ووضعتهما تحت إبطي ثم انطلق السباق وسط منافسة شديدة فكلنا أبناء الجبال والأودية والهضاب وتعلمنا الركض لمسافات منذ الصغر.

كانت نهاية السباق عند عين الماء التي تقع في منتصف الطريق إلى بيتنا تقريبا وحتى نصل إليها لابد من المرور عبر الخنقة وهي ممر ضيق بين جبلين حيث تكثر الحجارة والحصى لكن الركض حافيا وتحمل لدغات الحصى يظل أفضل من الركض بالنعل المصنوع من خيوط جلدية سوداء شدت بالمسامير إلى قطعة من إطارات السيارات فصلت على شكل القدم لتكون هي المداس.
وبعد مرور نحو نصف ساعة وصلت الكوكبة الأولى من المتسابقين وكنت على رأسهم، ثم بقينا ننتظر القادمين ونسخر من بطئهم وبعد أن اكتمل العدد ووضعنا الترتيب النهائي للسباق افترقنا كل إلى طريق بيته وكنت مزهوا بالفوز الذي حققته بصعوبة والذي ستتحدث عنه المدرسة غدا وسيشار إلي بالبنان كعداء لا يشق له غبار، وفي غمرة الفرح والغبطة نظرت لقدمي الحافيتين اللتين تغوصان في تراب الطريق ثم قررت أن أنتعل نعلي مجددا إذ لا داعي للبقاء حافيا بعد أن انتهى السباق.
لكن كدت أسقط مغشيا علي من هول المفاجأة فقد اكتشفت حينها أني لا أحمل نعلي تحت إبطي كما كنت أعتقد، ويبدو أنهما سقطا مني خلال السباق لكن حمى المنافسة والرغبة في الفوز جعلتني لا انتبه لوقوعهما وكذلك رفاقي العدائين.
عدت أدراجي إلى عين الماء حيث وقفنا في نهاية السباق لكن لا أثر للنعلين فواصلت طريقي حتى نقطة بداية السباق ولكني لم أر إلا الحجارة المتناثرة على الطريق الترابية.
فاخذت طريق العودة للمنزل مجددا وقد خرس لساني من هول المصيبة وطوال الطريق كنت واجما ولا أعرف كيف سأفاجئ أهلي بالحدث الجلل فأنا لا أملك غير هذين النعلين وضياعهما يعني أني سأذهب غدا للمدرسة حافيا مع ما في ذلك من سخرية وذل.
وصلت المنزل بعد لأي وأسررت لأمي بالمشكلة فتدخلت لي عند أبي رحمه الله وكان عقابي مخففا لكن تأنيبي كان قاسيا جدا إذ قال أبي أني مازلت لا يعول علي ورغم اني لم أتجاوز يومها العاشرة من عمري لكن هذا القول كان يحز في نفسي كثيرا.
وفي الليل طلبت من أختي التي تكبرني بعامين أن تعيرني نعليها حتى أذهب من الغد إلى المدرسة لكنها تمسكت بهما وباءت كل توسلاتي وإغراءاتي لها بالرعي محلها يومين متتاليين بالفشل.
نمت ليلتها نوما متقطعا وفي الصباح الباكر استقيظنا كعادتنا وبدانا نعد العدة للذهاب إلى المدرسة ويبدو أن أبي نسي بسبب مشاكله وهموم العيش قصة النعلين فقال لي هيا بنا إلى المدرسة عندها انفجرت باكيا وطلبت منه أن أتغيب اليوم عن الدروس حتى يشتري لي نعلين جديدين.
نظر إلي أبي مشفقا ثم طلب مني الكف عن البكاء وطلب من أختي أن تعيرني نعليها ليوم واحد حتى لا أتخلف عن الدروس فوافقت مكرهة إذ لا أحد منا يجرؤ على رفض طلب الوالد.
انتعلت النعلين بسرعة شديدة ثم خرجت أركض غير عابئ بنسيم الصباح البارد، كيف لا وقد غدوت منتعلا بعد أن كنت حافيا؟
وفي مساء ذلك اليوم وحين عدت من المدرسة متوجسا وجدت أبي قد اشترى لي نعلين جديدين واوصاني بالحفاظ عليهما.
مسكينة أختي لقد رعت يومها الأغنام حافية بسبب ذلك السباق اللعين!!!

شاهد أيضاً

الخارج في الداخل .. المؤامرة أقل من ذلك

سفيان العلوي لا تخضع قراءة تأثير الخارج في الداخل فقط إلى التقدير الموضوعي الجيوسياسي بل ...

اترك رد