الخميس , 15 نوفمبر 2018
الرئيسية / تدوينات تونسية / الساسة والسياسة..

الساسة والسياسة..

عبد اللّطيف درباله
بين قوانين المساس بالحقّ الدستوري في إمتلاك الأسلحة الناريّة الفرديّة في أمريكا.. وبين قوانين المساس بالدين في تونس..!!!
4 قتلى وعدّة جرحى في حادث إطلاق نار جديد اليوم في مدينة جاكسونفيل بالولايات المتحدة الأمريكية..
في أمريكا يسقط كلّ يوم عشرات القتلى والجرحى برصاص الأسلحة الفرديّة للمواطنين الأمريكيّين.. عدا عن حوادث إطلاق النار الجماعي والعشوائي التي تكاد تحدث بصفة شهريّة.. حيث يعمد أحدهم في كلّ مرّة لفتح النار على الناس في مكان عموميّ.. مثل المدارس والجامعات والملاهي والشارع وغيره..
والحصيلة آلاف القتلى والجرحى سنويّا بالولايات المتّحدة نتيجة القوانين الأمريكيّة التي تسمح للمواطنين بشراء الأسلحة الناريّة الفرديّة.. من المسدّسات إلى الرشّاشات.. والتي تعتبر ذلك حريّة شخصيّة وحقّا دستوريّا.. ولا يجب حرمان المواطنين منه حتّى ولو حصلت تجاوزات وسقط ضحايا.. ولو بالمئات..
وبرغم المآسي التي تحدث كلّ سنة.. ومنذ أعوام طويلة.. ممّا يضطرّ الرؤساء الأمريكيّين للتعبير عن حزنهم في حوادث إطلاق النار العشوائيّة الكبرى التي يذهب ضحيّتها العشرات من الضحايا.. وبرغم كلّ المنظّمات التي تطالب بتقنين الحقّ في شراء الأسلحة.. ومطالبة البعض بمنع ذلك الحقّ كليّا. فإنّه ما من مترشّح للرئاسة في أمريكا يجرأ على التصريح علنا بأنّه مع منع حقّ المواطنين الأمريكيّين في إمتلاك الأسلحة الناريّة..
لماذا ؟ ؟ ؟
لأنّ كلّ مترشّح للرئاسة في الولايات المتّحدة يدرك تماما من خلال الإحصائيّات وعمليّات سبر الآراء أنّ غالبيّة الشعب الأمريكي.. وبالتالي غالبيّة الناخبين.. تعتبر أنّ إمتلاك السلاح هو حقّ أساسي وحقّ دستوري تحت عنوان حقّ كلّ مواطن في إمتلاك الأسلحة لحماية نفسه بنفسه.. ولا يجب حرمانهم منه.. وبالتالي فإنّ السياسيّين والأحزاب يعرفون ويفهمون بأنّ أيّ وعد إنتخابي بالتراجع في ذلك الحقّ وإصدار قانون يخالفه.. معناه بأنّ غالبيّة الناخبين لن تنتخبهم.. بما يعني فشلا آليّا في الإنتخابات..!!!
حسنا.. ألم يكن من الأجدر بمترشّح للرئاسة في أمريكا أن يصرّح برأيه علنا.. أنّه وأمام سقوط آلاف القتلى والجرحى الأبرياء سنويّا برصاص الأسلحة الناريّة الفرديّة للمواطنين العاديّين.. فإنّ الوقت قد حان لإصدار القانون الذي يمنع ذلك.. باعتبار أنّ الأمر يتعلّق بأمن وسلامة عموم المواطنين.. وبالتعبير عن موقف فكريّ وقناعة ومبدأ وموقف أخلاقي..؟؟
أليس الأمر يتعلّق بالدفاع عن “مدنيّة” الدولة المهدّدة بأسلحة المواطنين وإطلاق النار العشوائي..!!!
الحقيقة أنّ الأحزاب السياسيّة والمترشّحون للسلطة في الولايات المتّحدة يدركون أنّ خوض الإنتخابات والوصول إلى الحكم تتطلّب الإستجابة لميولات وتوجّهات غالبيّة الشعب.. أي غالبيّة الناخبين.. لا العكس..!!!
ويدركون أنّ ممارسة السياسة تختلف عن ممارسة الفكر والإصلاح الإجتماعي.. وأنّهم لو يريدون الوعظ والإرشاد والتعبير عن المبادئ المجرّدة وفرض القيم المختلفة على المواطنين.. حتّى ولو خالفت فكر وتوجّهات وميولات ورغبات غالبيّة الشعب.. فعليهم حينها عدم خوض الإنتخابات والإكتفاء بالتعبير عن مواقفهم في الإعلام أو الأدب أو الفنّ أو العمل المدني أو الجمعيّاتي.. أو في حركات سياسيّة لا تخوض انتخابات.. ولا تسعى للوصول إلى السلكة على الأقلّ في المدى القريب.. لكونه ليس من الحكمة.. ولا من الذكاء.. خوض انتخابات ببرامج تخالف تطلّعات وانتظارات غالبيّة الناخبين.. لكون النتيجة معروفة مسبقا حينها.. وهي الفشل الذريع في الإنتخابات..!!
في تونس.. نفاجئ بأنّ أحزابا سياسيّة تريد خوض الانتخابات والفوز فيها بأغلبيّة الأصوات الكافية للوصول إلى السلطة وتطبيق برنامجها ورؤيتها للدولة.. والحال أنّها تختار أفكارا وإيديولوجيّات وبرامج دينيّة وفكريّة وعقائديّة وقانونيّة تخالف ميولات وتطلّعات غالبيّة الناس.. وبالتالي غالبيّة الناخبين..!!!
وهم يعتقدون بأنّه عليهم التعبير عن مبادئهم السامية حتّى ولو كانت “غير شعبيّة” وستؤدّي إلى فشلهم في الانتخابات.. وعدم تمكنّهم بتاتا من الوصول إلى السلطة.. وكأنّ الأمر يتعلّق بمفكّر أو فيلسوف أو مصلح إجتماعي.. يقول رأيه مهما كان حتّى وإن لم يعجب إلا الأقليّة.. وليس بسياسيّ يسعى لإرضاء غالبيّة الناخبين.. وعليه في حال خالف رأيه رأيهم.. أن يحاول أوّلا إقناعهم برأيه قبل أن يحاول فرضه عليهم.. أو اختياره.. سواء أعجبهم أم لم يعجبهم.. وسواء شاؤوا أم أبوا..!!!
ويبدو غريبا أن يكوّن البعض في تونس حزبا سياسيّا يطمح للوصول إلى السلطة. . وخوض الانتخابات للفوز بها.. ويختار مع ذلك برامج وأفكار غير مقبولة من غالبيّة الناخبين..!!!
وكأنّ الأمر يتعلّق بعمليّة منظّمة لإضاعة الوقت والجهد والمال.. وصنع الفشل.. والتلذّذ بالإخفاق في الإنتخابات مرّة بعد مرّة.. والإكتفاء بنسبة صغيرة من الأصوات لا أثر لها في إدارة الدولة وحياة الشعب..!!!
ذلك أنّ هؤلاء.. يعتقدون.. ويا للعجب (!!!).. أنّه على الشعب أن يخضع لآراء وأفكار وإيديولوجيّات وقيم السياسيّين.. وليس على السياسيّين أن يخضعوا هم لأفكار وقيم وآراء وإيديولوجيّات غالبيّة الشعب..!!!
والحال أنّه يفترض أنّ الأحزاب والسياسيّين والحكّام والنواب يأتون بالانتخابات ليخدموا الشعب..
وليس الشعب هو الذي يذهب للإنتخابات ليخدم السياسيّن والأحزاب والحكّام والنواب.. وهو الذي عليه أن يستجيب لنوازعهم.. ويختار منهم من يخالفه الرأي والرؤية..!!!
فإذا ما كان موضوعا يظهر بسيطا وواضحا لا يختلف فيه الناس.. مثل ضرورة منع إمتلاك المواطنين للأسلحة الناريّة الفرديّة لوقف سقوط آلاف القتلى والجرحى الأبرياء سنويّا بالولايات المتحدة الأمريكية.. لا يجرأ المرشحون للإنتخابات في أمريكا على إعلانه والوعد به.. ولا يجرأون حتّى على اقتراح مشاريع قوانين في ذلك المعنى بعد وصولهم إلى السلطة.. فلماذا يقوم بعض السياسيّين والأحزاب في تونس باتّخاذ مواقف في مواضيع دينيّة واجتماعيّة أكثر تعقيدا.. دون حتّى أن يكلّفوا أنفسهم عناء استطلاع آراء المواطنين التونسيّين.. لمعرفة رأي الأغلبيّة في الموضوع.. وتحديد موقفهم بناء على ذلك..؟؟!!
والأهمّ من هذا.. هو لماذا لا يجرأ السياسيّون والأحزاب في الولايات المتحدّة على المساس بقانون يسقط سنويّا آلاف الضحايا.. فقط لأنّه حقّ دستوريّ منصوص عليه بدستور البلاد.. ويرى بعض السياسيّين والأحزاب في تونس في المقابل.. بأنّه يمكنهم المساس ببعض القوانين حتّى ولو خالف الدين أصلا.. في حين ينصّ دستور البلاد على كون الإسلام هو دين الدولة..؟؟!!!
إنّ السياسة في أشهر وأبسط تعريف.. هي فنّ الممكن..
وليست السياسة هي فنّ المستحيل..!!!
فلماذا يريد البعض أن يتعسّف على ما هو ممكن..؟؟؟!!!

شاهد أيضاً

في غياب تأسيس المحكمة الدستوريّة

عبد اللّطيف درباله للشاهد سلطة التحوير الوزاري.. لكنّه خرق الدستور بإحداث وحذف وزارات وكتابات دولة ...

قايد السبسي متخيل أنه ساحر سياسي بارع..!!!

عبد اللّطيف درباله عندما تكوّنت حكومة الحبيب الصيد ما قبل الأولى.. ثمّ أعلن عن الحكومة ...