الأحد ، 23 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / مُغالطات مقصودة وغير مقصودة

مُغالطات مقصودة وغير مقصودة

عايدة بن كريّم

“أخذ الكلمة” وإعادة كتابة الذاكرة مسألة على قدر كبير من الأهمية بالنسبة للجماعات التي لم يكن لديها حقّ الكلام ومُنعت من تقديم سرديتها للوقائع وبقيت السردية الرسمية هي “الحقيقة” الوحيدة التي تُعتمد لدى المؤرّخين والمُحلّلين.

الثورة أعطت حقّ التكلّم للناس الكلّ فتعدّدت السرديات وتنوّعت الرهانات وبرشة ناس قاموا بصناعة سير ذاتية فيها الكثير من المغالطات… مُغالطات مقصودة وغير مقصودة.
وفي المقابل برشة ناس سلّمت في حقها في الكلام وفضّلت الصمت… أمام الإسهال “الكلامي” واللا-معيارية التي أصابت المُتكلّمين.
“الكلمة” تحولت إلى ماكينة لمراكمة رأس مال رمزي وبناء وجاهة لتحقيق مصلحة ما…
برشة ناس كتبوا تدوينات وسردوا قصص موش قصصهم نسبوها إلى ذواتهم وبنوا سير ذاتية مكّنتهم من التموقع داخل هذا الحزب أو ذاك… برشة وَهْم وبرشة بطولات كاذبة وبرشة حديث ما يركبش على بعضه. وبرشة وقائع وقع حذفها وحذف أصحابها.

•••

المجتمعات التي تُريد أن تبني مُستقبل على أسس صحيحة عليها أن تجمع ذاكرتها وتكتب تاريخها بمواصفات العلم: الموضوعية والحياد والصرامة.
التاريخ في جزء كبير منه “ذاكرة” شعبية و”كلام” يتجمّع ويتغربل ويتقاطع… المعرفة ليست كلّها علم ولكن فيها تصورات الناس وتمثلاتهم وفهمهم للوقائع وتأويلهم للأحداث… ودور عالم الاجتماع التفكيك وإعادة تركيب المشهد ودور عالم التاريخ التحقيق والبحث عن التقاطعات…

تاريخ الحركة الوطنية كتبه بورقيبة… فكان على قياسه فحذف اليوسفيين وأزاح الزيتونيين وكان هو محور تاريخ تونس المعاصر… وبعد الثورة اكتشفنا حجم الجريمة.
ثورة علي بن غذاهم كتب سرديتها أحمد ابن أبي الضياف فكانت على قياس بلدية الحاضرة ومشايخها وباياتها… والآن هناك من يُقدّم سرديات أخرى مُختلفة تماما على ما درسناه في كُتب التاريخ…
معركة الإسلام السياسي في تونس مع نظام بورقيبة وبن علي… لم تأخذ نصيبها من “الكلام”. تفاصيل كثيرة وأحداث ردمت مع أصحابها. وجميع الروايات التي تتجوّل تخدم مصلحة “الرسميين” والمتنفّذين والمهيمنين على المشهد السياسي والمالي… وغالبا يقع انتقاء أجزاء منها وتوظيفها لتحقيق مكاسب سياسية أو للمقايضة والتفاوض…
لا أحد يريد منح “الكلمة” للناس وكتابة الوقائع كما يرويها الفاعلون…
ما بُني على باطل فهو باطل…

شاهد أيضاً

للتًفكير: “كتلة المكتب التنفيذي”

أحمد الغيلوفي • 93 % من الإضرابات التي شهدتها البلاد منذ تاسيس الإتحاد حتى الآن ...

اترك رد